‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص قصيرة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 24 أكتوبر 2014

سياج الحرب والحب



  ذات صباح مغطى بأكوام الغيوم ، انطلق سعيد إلى الزاوية الصغيرة التي كانت بمثابة المقهى الذي يجمعه برفاقه ، مدندنا بأغنية شعبية بهيجة ، حيته عجوز كانت تنثر الحبوب للطيور من نافذة بيتها الطيني ، رد عليها بمرح وأكمل طريقه مغمضا عينيه محاولا تذوق كلمات الأغنية ولكنه شعر فجأة بكتف عريض يصطدم به جعله يوشك على الوقوع أرضا  بعد أن إختل توازن مشيته ، فتح عينيه ورأى صاحبه مرهون يجري مسرعا وكأن شبحا مريعا يتعقبه.  
صرخ سعيد غاضبا وقد غاضه تصرف صديقه :  
- يا مجنون ألا يمكنك أن ترى من يمشي أمامك ! 
لم يلتفت إليه مرهون واكتفى بالصراخ : 
 - حدث جلل يا صاح الحق بي بسرعة. 
  
وفي تلك الزاوية المحشورة بين ثلاثة بيوت طينية خربة وصل سعيد ومرهون وكل منهما يحاول التقاط أنفاسه ، في الوقت الذي كان فيه كل من خالد وعبيد يشربون قهوتهم الصباحية.  

رفع خالد حاجباه متسائلا :   
- مالذي دهاكما في هذه الساعة؟ 
 نظر سعيد لمرهون وغضبه لم يهدأ بعد : 
 - تكلم الآن اي خطب جلل ذلك الذي حدث؟  
- أعلنت الحرب يا رجال. 
صرخ الجميع بذهول : 
 - الحرب ! حرب من مع من ؟  
مسح مرهون حبات العرق المنسابة على جبينه وقال :  
- حرب بيننا وبين قبيلة  غفر عدل خالد من جلسته وارتشف آخر ما تبقى في فنجان قهوته  : 
- وما الذي حدث لتقوم الحرب بيننا !! 

  تمهل مرهون قبل أن يجيب وهو يقلب بصره في الوجوه الواجمه أمامه : 
- بالأمس عندما  كنا في سبلة القرية ، حدث جدال حاد بين شيخ قبيلتنا وشيخ قبيلة الغفر حول البئر التي حفرت مؤخرا..شيخ قبيلتنا يقول أن البئر توجد في أراضينا لذلك هي لنا ، في حين أن شيخ الغفر انزعج وقال أن رجال قبيلته هم من وجدوها.. اشتد الخلاف واشترك الجميع فيه ، كل يساند شيخه ، حتى اؤلئك الذين جاؤوا مؤخرا شاركوا في معركة الألسن التي ثارت .  
حاولت مع مجموعة من الرجال تهدئة الوضع  ، لكن المخادع سويلم استطاع بلسانة الذي يقطر سما أن يزيد من حدة الموقف ، فلم يلتفت لنا أحد. 

قطب عبيد حاجبية وقال بانزعاج :
 - يال السخف كيف لبئر ان تثير الحرب بيننا !  
- ليت الأمر يا رجل توقف عند قضية البئر ، بل انها تشعبت وأصبحت اكثر تعقيدا ، بعد أن أثار مريدو الفتن حادثة القتل التي حدثت قبل عشرين سنة والتي اخمدها شيخ الاصلاح الراحل - رحمة الله على روحه -  وما تلى تلك الحادثة المشؤمة من أحداث. بإختصار لقد نبشوا الماضي المدفون نبشا مريعا ! 

   مرت لحظة صمت بين الأربعة ، ثم اتجهت الأنظار إلى سعيد الذي كان مستندا على الجدار الطيني محدقا في الأفق بذهول.  
ضربه مرهون على كتفه وقال:  
- مابك يا رجل هل عقد لسانك ! نحن منشغلون بهذه الحرب اللعينة التي ستحدث وأنت واقف هكذا كأن الأمر لا يعنيك !  
ردد سعيد في داخله " لا يعنيني !! " 
ثم قال بصوت واهن كأنه يخاطب نفسه مجددا : 
- ومتى ستبدأ هذه النار التي لاحت بدخانها  لنا بين ليلة وضحاها؟  
 - لقد  اقسموا أنها ستبدأ بعد ثلاثة أسابيع  وقبل ذلك سيتم وضع حاجز سلكي يفصل أراضي القبيلتيين عن بعضهما.   

 تفرق الأصدقاء بعد أن يأسوا من ايجاد حل لهذه المعضلة التي داهمت أمنهم.  
وفي  طريق عودته راح سعيد يفكر في حبيبته ، ومصير حبهما بعد هذه الحرب التي قطعا ستفرق بينهم !  

 وعندما كان الرجال من كلا القبيلتين يثبتون بإحكام ذلك السياج الفاصل ، كان سعيد يراقبهم من بعيد ، والوجع في قلبه قد تضخم. لم يستطع الاقتراب منهم خوفا من أن تفضحه مشاعره أمام الرجال الغاضبين ، المحرَكين من قبل الفتنة السوداء التي أسقطها أحد الخائنين بينهم.  

وعندما رسخت جذور السياج في الأرض انتشر الجميع عائدين إلى اراضيهم مطمئنين ، كأن عقدة من الخوف من الآخر قد فكت !   

فكر سعيد في خطة تجمعه بحبيبته ليلى لعلهما يستطيعان التفكير معا في سبيل للهرب من هذا الجحيم الموشك على إلتهامهم جميعا.  بعث برسالة لها ، يخبرها فيها بموعد لقائهما ، عندما تخضع القرية لحكم الليل وتبتلع البيوت ساكنيها. 
أحكم ربط رسالته العاجله في رجل حمامته البيضاء التي كانت رسول المحبة بينهما منذ مدة طويلة.   
 كانت ليلى تستعد للنوم  عندما سمعت هديل الحمامة على نافذة غرفتها.
أمسكت بالرسالة التي انتظرتها في شوق عارم ، وراحت تقرأها وقلبها ينتفض خوفا من مستقبل بدا غائما كئيبا. 
قررت بعد صراع داخلي المخاطرة والتسلل من البيت إلى مكان اللقاء الموعود.   

وعند السياج تشابكت أيدي المحبين،  كل واحد منهما كان يحاول أن يبث الأمل في داخل الآخر..الأمل الذي لم يوجد حينها في قلب أيا منهما ! . 
 لكن الحب الذي لم يأبه لجور الظروف راح يمنيهما بغد أكثر إشراقا.   
ومنذ ذلك اللقاء الأول عند السياج تعددت اللقاءات بين الحبيبن اللذان كانا يرسمان معا خطة مناسبة للهرب.كانت الأسلاك رغم قسوتها حانية عليهما ، مشفقة لحالهما ، فوجدا نوعا من الأمان بقربها.  
وفي اليوم الخامس من بدء لقائهما راح سعيد يشرح لليلى المسار الذي يجب أن يتبعه كل منهما وأخبرها بمكان لقائهما.  وقبل أن تفترق الأيدي المتصافحة سمعا صوت بوق آتيا من البرج البعيد ، نافضا ذرات الليل الساكنة.  
ضغط سعيد على يدها وهمس : 
- لا تخافي ، لابد ان نبقى ساكنين حتى لا يشعر بنا أحد.   

لم يكونا يعلمان سر تلك الاشارة الصوتية. التي اتفقت القبيلتين عليها للإخبار عن وجود من يحاول خرق القوانين ويعبر من السور ، او إحتمالية وجود متجسس من القبيلتين. 
خرج الرجال من كلا القبيلتين للقضاء على الخائنين. 

 أمسك صابر سلاح الكند وصوب فوهته  نحو سعيد وصرخ : 
- قف مكانك أيها الجاسوس الخائن.  

وقبل أن يتمكن سعيد من الالتفات كانت الرصاصة قد تمكنت منه بلا رحمة. 

صرخت ليلى خوفا من هول ما حدث  ، وقد مدها القمر بما يكفي من النور لترى سعيد مضرجا بدمائه ،  وقد زاغ بصره وخمد نفسه إلى الأبد ،  وقبل أن يقترب منها أهل قبيلتها ليكشفوا عن هويتها ، كان الرعب والحزن معا قد تمكنا من قتلها ، وسقطت من إثر ذلك جثة لا حراك فيها.  

 اجتمعت كل قبيلة أمام فقيدها وقد اخذهم الموقف ، كان المشهد هناك عند السياج مريعا. 
حبيبان طائشان قررا الانتقام لحبهما ، والتمرد على الحرب  الغاشمة فكانا أول  ضحاياها ! 

 ولكن الموت الجاثم أمام السياج لم يتمكن من إطفاء الحرب ، بل العكس من ذلك ، استعرت العصبية في كل قبيلة ، واضافوا ما حدث كسبب آخر لابد ان تقوم الحرب لأجله !.  

 وفي تلك الليلة عندما انسحب الجميع من جنب السياج حاملين في موكب بائس الجثمانين ، حطت على السياج حمامة بيضاء لا يزال في رجلها اليمنى خيط رسالة ، أدارت عينيها حول المكان  ثم طارت محلقة بعد أن عزفت مقطوعة هديل للراحلين.  


تمت.

الجمعة، 27 يونيو 2014

(غريب الدار) ..


  



(1)

 الساعة الآن تقترب من التاسعة والنصف تقريبا، لا أملك ساعة لكي أعرف بها الوقت لكني قادر على تخمين ذلك من رؤية النجوم ومن هدوء القرية، التي يبتلعها سواد الليل فلا تجد فيها منزلا مضاءً في مثل هذا الوقت، إلا منزلنا!.

 تكورت على نفسي، محاولا الهروب بعيدا عن كل ما حولي، كنت في زاوية الغرفة يحتضنني الألم، ففي خارجها يقف والدي ملوحا بزجاجة الخمر التي في يده، كان يتمايل ذات اليمين وذات الشمال ، يهدد ويتوعد ، تارة يلقي بكلامه على والدتي التي تحاول التشاغل عنه بحياكة قميص صوفي، وكان الصوف في يدها باهت اللون، باعثا على الكآبة بلونه الرمادي، بدا وكأنه يشاطر أمي ما تتكبده من عناء، ويمتص معها كل اللعنات التي تخرج من فم أبي. 

وتارة أخرى تجده يلقي بلومه على كل شيء في هذا العالم الذي يدعي انه ظلمه ، وانه سبب في بؤسه وشقاءه!.
  لم يكن أبي رجلا سكيرا مهملا كما هو حاله الآن، لكنه فقد تجارته ذات يوم بسبب الكساد الذي ضرب السوق ، وبعد أن ابتلع الجفاف المزرعة الوحيدة التي نمتلكها. لم يكن يملك الشجاعة ليبدأ من جديد ؛ لهذا سلك هذا الطريق ظانا بأن هذا سينسيه كل الهموم التي تجثوا فوق رأسه. 

مضت خمس سنوات وهو على هذا الحال، وفي كل يوم يزداد طبعه سوءا ، ويزداد عنفه مع والدتي ، أما أنا فلم يكن يبدي أي اهتمام بي وكأنني لم أخلق من صلبه أبدا!.
 والدتي لا تزال صغيرة في السن، لم تتجاوز الثامنة والثلاثين ، غير أن الذي يراها يحسب أنها في الخمسين أو أكثر!.
حياتنا الصعبة أفقدتها الكثير. بدا الوهن واضحا في جسدها، وزادت حالتها سوءا بعد إصابتها بفقر دمٍ حاد.
 كنت يومها في الثامنة عشرة ، لم أكن ألقي بالا لحال أبي، ولا لما يتفوه به من كلمات ، فقد كان معتادا على ذلك ، وعلى تركنا لأيام ، لكن في ذلك اليوم بدت حالته أكثر سوءا  ، وأحسست حينها أن الليلة لن تمضي على خير.
 

  (2)

وبينما أنا مختبئ بجبن في زاوية غرفتي المظلمة سمعت صراخه الذي كان عاليا جدا، لدرجة أنني خفت على أمي ، ولولا خوفي من أن تزيدهُ رؤيتي قسوة لخرجت لأحميها منه.
سمعت صوت ارتطام زجاجة الخمر بالجدار وتكسرها لأشلاء. تلاه صوت الباب وهو يغلق بقوة.
 الأمر الذي يعني أن أبي قد خرج إلى حيث لا نعلم مجددا !. 

أسرعت خارجا من عتمتي لأطمئن عليها ، وجدتها تحتضن قطعة الصوف التي تحيكها وهي تبكي بصمت.  احتضنتها بقوة ، محاولا التخفيف عنها، يومها أدركت بأني شاب بائس وجبان ، وإلا لكنت قد أنقذت أمي من هذا الوضع ، وتمكنت من إيجاد مهنة تنقذنا من شرور أبي.

 هدئت أمي بين أحضاني ثم نامت تحت وطأة التعب.


 مسحت على شعرات رأسها الذي شاب. وقلت في نفسي كم من الهموم تحملين في جوف هذا الرأس يا أماه.
 وسدتها في فراشها ومضيت إلى غرفتي ابتلع الظلمة وتبتلعني.

صحوت فجرا وذهبت لأطمئن على أمي ، كانت ما تزال نائمة أو هكذا ظننت وقتها ، اقتربت منها لأوقظها ، ناديت عليها بهدوء لكن جسدها كان ممدا في الفراش بلا حراك ، بدت ملامح وجهها اكثر هدوءا من أي وقت مضى ،  أصابت رجفة مرعبة عظامي ،  اقتربت  لألمسها فإذا هي باردة كبرودة  فجر ذلك اليوم. حركتها بلطف ، غير أن الحقيقة كانت مصرة على أن تصفعني بقوة ،  لأدرك أن أمي غدت جثة هامدة بلا روح!

 صرخت بكل ما اعترى نفسي من مشاعر.. خوف وحزن وألم.. واتجهت مسرعا إلى الباب ، قاصدا المسجد الذي يقع في منتصف القرية.
 لم أأمل من احد المساعدة سوى إمام مسجدنا.. فلطالما عانيت وعانت أمي من أهالي هذه القرية الكثير ؛ لأننا اشدهم فقرا ولأننا كنا كالغرباء لا صلة تربطنا بهم سوى المكان الذي نسكن فيه ؛  فقد جاء والدي إلى هذه القرية منذ زمن ولم يختلطا كثيرا بأهلها ، وما زاد الأمر سوءا هو الحال الذي انقلب إليه والدي ، ومقت الناس له لأنه حاد عن ما تعارفوا عليه من قيم.

 وصلت  إلى المسجد وأنا ألهث ، وعيناي تسحان دموعهما الثقال ، كان في المسجد ثلة من الرجال الذين أتوا مبكرين.
 كل النظرات المصوبة نحوي كانت تنطق بالدهشة. اقترب مني إمام  المسجد وهو شيخ تجاوز الستين على ما أظن ، ربت على كتفي وقال لي بصوته الباعث على السكينة:
 -  اهدأ يا سالم وأخبرنا مالذي جرى لتبدو هكذا ؟.

  كانت عيناه المتفحصتان في حالي بدقة تعلمان أن ما جاء بي في تلك الساعة إلا أمر جلل ، نظرت إليه صامتا للحظات ، ثم نكست رأسي إلي الأرض متجرعا الحزن وأخبرته بوفاة والدتي.
جاءني صوته الهادئ بنبرة حزينة مرددا "إنا لله وإنا إليه راجعون" .

  التفت الإمام للرجال الموجودين بالمسجد ودعاهم للقدوم .  أخبرهم بالأمر فقدّم كل واحد منهم لأجلي كلمات العزاء . كنت في حالة ذهول عن كل ما حولي ، افكر في أمي الراحلة ، والوحدة القاتمة التي تنتظرني ، محاولا تصديق الواقع.. واقعي الذي بدا لي في تلك اللحظة ضبابيا قاتماً .


(3)


 تعاون سكان قريتي جميعا في إتمام العزاء. وكم كنت ممتنا لهم حقا.

 بقيت بعدها لأيام حبيس جدران منزلي الذي غادرته الروح هو الأخر . كان إمام المسجد يحاول التخفيف عني بعد كل صلاة ، داعيا إياي لأن انتشل نفسي من مستنقع الحزن الذي ركدت فيه بوهن . لم ألق بالا لكل ما قيل لي . كنت محبطا حقا ، محبط بحجم الفقد الذي منيت به.
  أما والدي فإني لم أراه أبداً بعد تلك الليلة ، ولعلي كنت سأرتكب جريمة بحقه إن رأيته، فما تذكرته إلا وارتفع مع ذكراه الأدرينالين في جسدي، مثيرا كل شحنات الشر والغضب العارم اتجاهه في داخلي . 

بعد أيام قررت الخروج. أدركت أن البقاء وحيدا ما هو إلا موت بطيء.
 خرجت إلى سوق القرية ألتمس عملا عند أحدهم، لكنني تلقيت طعنات جارحة من عيون أهل القرية ، صغارهم وكبارهم ، بل إن البعض لم يخجل من إسماعي كلمات الشفقة والرثاء على حالي ، وأبوا إلا أن يوصموني بعار أبي.
 كان ذنبه الذي تحملته مكرها.  لم أكن قادرا على التحمل اكثر ، جحيم العيش في قريتي لم يعد يطاق. ولم أجد من بينهم يدا رحيمة عدا الإمام وزوجته.

 لذا قررت ذات مساء مغادرة القرية ، فجمعت أغراضي على مهل. لا أخفيكم كم أنني كنت حزينا لفراق قريتي ، رغم قلة الذكريات الجميلة التي أحملها فيها. لكن لم يعد هناك مجال للتراجع.
انتظرت سكون القرية واستسلامها لحكم الليل.
 وعندما رأيت أن بيوتها قد راحت في سبات عميق خرجت حاملا حقيبة ظهري وحزمة صغيره بها زادي من الأكل والشرب. 
لم اكن واثقا من العودة إليها مجددا إلا أن شعورا راودني حينها بأني سأعود.  أغلفت باب المنزل بإحكام ومضيت في طريقي متجها إلى الشرق. 

  وقبل أن تبتلع المسافات قريتي، وتبعدها عن ناظري رقيت إلى إحدى الجبال، وقد كانت ليلة مقمرة، لذا تمكنت من رؤية ملامح قريتي الصغيرة المحاطة من كل جوانبها بالسلاسل الجبلية وهي في قلب هذه السلسلة.
بدت الجبال كأم رؤوم تحتضن طفلها الصغير بحنان، وإن كان هذا الاحتضان قد نأى بها عن العالم الخارجي ومجرياته. 
  أغمضت عيناي لأخزن صورتها في ذهني إلى الأبد ، حينها لاح لي شريط ذكرياتي بكل ما فيه، شريط جمع بين دفء الربيع وقسوة الشتاء. بين ظلمة الليل ونور النهار. لا انكر أني عشت طفولة سعيدة ، كنت طفلا يشع حيوية ، مستمتعا مع بقية الأطفال باكتشاف أسرار قريتنا ، مفتشين بين زواياها عن كل المتع البريئة. 

لكن شريط ذكرياتي ظهرت به التعرجات عندما أصابت النكبة أسرتي ، وانجراف والدي في درب خاطئ لا تقبله أعراف القرية وقيمها. من يومها ابتعد عنا أهالي القرية، بعضهم كان يقول بأن لعنة من السماء نزلت علينا لأن والدي لم يكن رجلا شريفا ، وهناك من اتهم والدتي وقال أنها هي مصدر النحس كعادة النساء ! ولا ادري لما؟
 تذكرت جفاء الأصدقاء وخذلانهم لي ، لم يكن أحدهم يجرؤ لان يصاحب ابن السكير!. أتراهم كانوا على صواب؟ هل كنت سأقاسمهم لعنتي التي التصقت بي دون أن يكون لي يد فيها؟!  
وتوقف بي الشريط عند ذكرى وفاة والدتي ، ونظرات الشفقة التي قوبلت بها من الجميع ، وإشعارهم إياي بأني ضعيف بائس كتب لي الشقاء!. 
 فتحت عيناي ببطء . دمعة حرى نزلت تلهب وجهي الذي انتفض كبركان يغلي من الحمم التي يخفيها في باطنه. 
مسحت دمعتي بظهر كفي، وحدقت في القرية بكل كره الدنيا ، وفي قلبي هاجس يقول لي لابد أن تنتقم منهم جميعا ذات يوم. 


(4)

 
 أكملت طريقي لا أعرف أين تأخذني قدماي ، كان مصيري معتما أمامي . وقد أسررت لنفسي بأني سأصنع  مستقبلي بيدي هذه المرة بعد أن عانيت من الماضي الذي تدخل في رسمه  والدي وسكان قريتي. 
قررت نسيان كل الأحداث السوداوية التي مررت بها ، وتمزيق كل صفحة لا تروق لي.  أريد أن أبقي على الربيع ، الربيع لا غير في حياتي.  كنت مدركا أن أياما صعبة بانتظاري لكنني عقدت صلحا مع ذاتي ووعدتها بأني سأحاول جاهدا  لأن أشكل لوحتي التي أريد. 

واصلت المسير أربعة أيام إلى أن وصلت إلى إحدى القرى ، بدت لي بمزارع النخيل بديعة المنظر ، استبشرت خيرا ودخلت إليها . كنت أمشي في طريق يشق المزارع. وكانت الشمس قد انتصبت في كبد السماء . والحر شديد ، وقد بلغ بي التعب مبلغا شديدا. 
 انعطفت يمينا متجها نحو إحدى المزارع التي كانت كحديقة غناء ، بها أشجار الليمون والزيتون والبرتقال وكروم العنب ، إلى جانب أشجار النخيل المثمرة ، وفي وتلك الحديقة البديعة رأيت جدول ماء يجري.  كان كل شيء كسراب أمامي ، أربعة أيام من المشي أرهقت كل عضلة في جسدي ، وسلبت مني كل الزاد الذي كان معي . لذا كانت هذه الحديقة حلم جميل ساقتني إليه الأقدار. 

شربت من ماء الجدول حتى ارتويت ، وأسندت ظهري إلى أقرب شجرة زيتون كانت بقرب الجدول .  أنزلت قبعتي المغبرة على وجهي ، ورحت في نوم عميق.

 استيقظت بعد فترة فزعا على صوت أحدهم ، لم ادري كم من الوقت مضى علي وأنا نائم لكن  يبدو أني استغرقت وقتا طويلا ، لأن الشمس قد قاربت على المغيب.  
حدقت بفزع في الرجل الذي كان يناديني ، كان يبعد عني مسافة ليست بالطويلة لكنه لم يكن قريبا ، لعل رؤيتي في مزرعته أثارت توجسه. 
كانت هيئته تبعث على الهيبة والاحترام بدى حسب توقعاتي في منتصف الأربعين أو أكثر بقليل. وكم كنت خائفا حينها من أن أقع في مشكلة جديدة ، أو أن يظن بي شرا، لم يكن ينقصني سوى أن أتورط مع هذا الرجل.
 انتشلني من مخاوفي صوته الهادئ وهو يقترب ليمد لي يده للسلام
 - السلام عليك أيها الفتى. 
- وعليكم السلام يا عم. 
- لقد كنت نائما بعمق، ولم أشأ أن أوقظك. لكن  الليل  سيهبط علينا ، والمكوث في المزرعة سيغدو خطرا ؛ لهذا قررت إيقاظك قبل أن أغادر المزرعة.  

 أخجلني الرجل الذي بدا واضحا أنه مالك المزرعة بتصرفه. أطرقت وشكرته بامتنان.

 - يبدو لي أنك غريب عن هذه الديار، ومظهرك يدل على أنك قادم من مكان بعيد. 

قلت أخاطب نفسي "نعم إني غريب الدار. غريب عن كل ما حولي" ثم انتبهت لنظرات محدثي وقلت:
  -  نعم إني قادم من قرية الجبل. 
هتف الرجل متعجبا: 
 - قرية الجبل!! هل قطعت كل هذه المسافة مشيا؟! تفحصني بنظراته الدهِشة وقال مستطردا : أيها الغريب قلي ما اسمك؟ 
 - اسمي سالم يا عم. 
- وأنا ربيع . تشرفت بمعرفتك يا سالم. 
 - شكرا لك يا عم ربيع ، شرف لي أن أصادف مثلك. 
 - تعال يا سالم إلى منزلي ، ستقضي الليلة معي ، فأنت ضيفنا اليوم.   

كان منزله فخما ، بدا لي وأنا القادم من عمق قرية جبلية نائية كقصر كبير. 
عرفت منه بأنه يعمل في التجارة ، كان يسكن مع زوجته وابنته التي تصغرني بخمس سنوات.  تحدثنا بعد العشاء مطولا عن حالي ، أخبرته بأني لم اخطط  بعد لوجهة معينة. كل ما كنت ارجوه هو أن احصل على عمل أرتزق منه. 

قال لي باسما: 
 - لقد ساقتك إليّ الرحمة الإلهية ، فأنا منذ مدة ابحث عن شاب يعمل في مزرعتي ، وتجارتي تعيقني بعض الشيء عن الاهتمام بها. 

سعدت جدا ، وأدركت أن أيام الشقاء ستزول عما قريب. 
 وافقت على طلبه دون تردد ، اتفقنا على كل شيء ، وتقرر أن أسكن منذ الغد في الملحق الصغير الموجود في بداية المزرعة. وهو قريب جدا من منزل التجار. 

(5)
  

ومنذ أن استلمت عملي الجديد وأنا أشعر أن روحا جديدة تلبستني، غدت المزرعة معشوقتي التي أخاف أن يصيبها أي مكروه. عنيت بها بأفضل ما يكون. الأمر الذي انعكس إيجابا بفضل الله على إنتاجيتها.


 كما أني أحببت أهالي القرية التي كانت تسمى بقرية المروج.  و بعد مرور سنتين على عملي، اشتريت جزئا من المزرعة، وبدأت أتاجر بمحصولها. 
كنت والتاجر ربيع شركاء رائعين ، واستفدنا سويا من هذه   الشراكة ، لكن أجمل ما تعلمته منه هو القيم النبيلة التي ينبغي أن لا يفتقر إليها أي تاجر. 
 ابتسامته الصافية التي يقابل بها الجميع كانت احد أسرار شخصيته الرائعة، لقد كان محبوبا من الجميع. كما انه كان أمينا ، لدرجة أن بعض التجار من القرى المجاورة يستودعونه بضائعهم ليبيعها على أهل قرية المروج وزوارها ، الذين كانوا يأتون إليها كل صيف ، للتمتع بجوها وما تمتلكه من مناظر خلابه.
 باختصار كان هو مثلي الذي اهتدي بتوجيهاته، وأنا المبتدئ في عالم التجارة. 


وذات يوم وبينما أنا جالس تحت إحدى أشجار التفاح في مزرعتي ، أفكر في حالي كيف أتيت إلى هنا منذ اكثر من 6 سنوات ، فتى في الثامنة عشرة حائر لا يعلم أين ستؤدي به دروب الحياة في هذا العالم الواسع ، وكيف صرت الآن.. إذا بصوت رقيق يصل إلى مسمعي.

- السلام عليكم ورحمة الله
 التفت إلى الخلف ، فإذا هي سمر ابنة التاجر ربيع ، تلك الصبية التي لم تتجاوز 13 عندما أتيت، أصبحت شابة ناضجة اليوم.

لم اعرفها في الوهلة الأولى إلا بعد أن قالت لي والحياء قد زين وجنتيها بالاحمرار ، مطرقة نحو الأرض :
 - إن أبي يدعوك إلى المنزل فقد اشتد عليه المرض. ثم ذهبت مسرعة عائدة إلى المنزل. 

بقيت واجما للحظات ، لأستوعب ما قالته ، ثم قمت من مكاني مسرعا وأنا أتسائل مالذي جرى ، فبالأمس كنا معا وكان على أتم صحته!.  
عندما دخلت وجدت زوجته تخفف عنه الحمى بمناديل الماء الباردة.  رحبت بقدومي وخرجت هي عندما أشار لها فتركتنا بمفردنا.  

سألته عن صحته، فنظر لي باسما يقاوم ما يلم به. 

- لا تقلق هذه ألام مرض القلب الذي أعاني منه منذ سنوات.  
غير أني استدعيتك لأمر آخر، إني أود أن أزوجك ابنتي يا سالم وقد تعمدت إرسالها إليك ،  اتفقنا أنا وزوجتي أن نفاتحك بهذا اليوم ،  فإني لن أجد لها زوجا أفضل منك يا سالم. إلا أن الأمر يعود لك في نهاية الأمر . فانظر ماذا ترى.  

فاجأني هذا الطلب فأجبته بعد هنيهة: 

- إن ذلك شرف لي،  شرفي لي يا عم ربيع بأن أرتبط بكريمتكم ، ولكن لتمهني إلى الغد حتى أرد عليك بقراري النهائي.   

 - لك ذلك يا سالم ، فكر في الأمر مليا ، وخذ ما يناسبك من الوقت.  

 في  ذلك اليوم فكرت كثيرا ، لقد  عشت في هذه القرية بضع سنوات وها هو التاجر ربيع يعرض علي الزواج من ابنته ، لم يسألني عن ماضي ، لم يحاسبني على خطأ أبي الذي ما فتأت  أفكر فيه طوال هذه السنين.

 أعادني هذا إلى قريتي مرة أخرى، إذ لم تفلح كل هذه السنوات في محو تلك الذكريات المؤلمة من ذاكرتي!.  

 وافقت على الزواج من سمر ، وقد كانت بالفعل نعم الزوجة ، أخذت من والدها سماته الحسنة التي أحب.  
 بعد مرور سنتين على زواجي ، وبعد أن رزقنا بطفلنا الأول "سعيد" قررت العودة إلى  قريتي ، كنت دائما أشعر بأني غريب الدار فعلا في قرية المروج ، فرغم علاقتي الوطيدة بسكانها كنت أحن لقريتي التي  طردني منها أهلها بجفاء بطريقتهم غير المباشرة ، أحن لروح أمي التي عاشت هناك ، وبقي في قلبي شوق كبير لمرتع الطفولة والصبا. 

 لم يكن القرار سهلا ، لقد كانت مسألة العودة تؤرقني منذ مدة ، كيف سيستقبلني الناس بعد كل هذه السنين ، أتراهم يتجاهلوني كما تجاهلوا والدي من قبل؟ ، ووالدي ماذا عنه؟ أتراه حي إلى اليوم؟ لقد اشغلني أمره كثيرا ، رغم ما حدث في الماضي إلا أنني أتمنى أن أراه ثانية بخير ، وأتمنى أن أتمكن من جعله يعيش حياة كريمة مرة أخرى. 


(6)

 ودعت أهالي قرية المروج وانطلقت مع عائلتي عائداً إلى قريتي ، لقد حرصت على إخبار سمر بذكرياتي الرائعة فيها ، أردتها أن تحب قريتي الجبلية الصغيرة المختبئة في أحضان الجبال ، لم أشأ أن ارسم صورة سيئة عنها ، فقد وعدت نفسي منذ أن خرجت بأن لا أبقي على الصفحات القاتمة في دفتر حياتي.

لم نستغرق في سفرنا الكثير من الوقت ، فبعد كل هذه السنوات تطور العالم وتحسنت الأوضاع المعيشية للكثير من الناس ، وأصبحت أمتلك سيارتي الخاصة التي سهلت لي الكثير من الأمور، منها رحلة عودتي

عندما وصلنا إلى مشارف القرية لم  اشعر إلا والدمعة تشق خدي ، لا أعلم سبب سقوطها من مدمعي ، كل المشاعر كانت ممتزجة في داخلي في تلك اللحظة.
أحسست بيد سمر الدافئة وهي تمسحها ، نظرت إليها فوجدتها تبتسم ، كنت سعيدا لأنها بقربي ، ما كنت أود دخول القرية وحيدا أعزلا كما خرجت . أمسكت بيدها ، وهمست لها :
- ستحبين قريتي يا سمر تلك الدمعة ما نزلت إلا لأني عشقت ذرات هذا المكان ، وسأكون سعيدا إن شاطرتني هذه المحبة. 
 بصوتها الحاني أجابت: 
 - لم اعش في قريتك يا عزيزي لكن حبك لها ، وحديثك الدائم عنها جعلني أحبها قبل أن أراها. هنا سنتشارك حلو الحياة ومرها يا سالم. 

 ابتسمت لها ومضينا في طريقنا  إلى داخل القرية. 
 لقد لعبت الأيام قليلا بقريتي ، لم تخفَ عني بعض مظاهر التحضر البسيطة التي بدت في البيوت الحديثة ووجود السيارات التي كانت تعد بأصابع اليد على طرقاتها.  

وصلت إلى منزلي الذي بقي صامدا كما هو ، لكنه كان باهتا ،  فجعه غياب ساكنيه. تساءلت إن كان والدي قد جاء إلى هنا بعد رحيلي أم لا.

  كانت الشمس قد قاربت على المغيب عندما وصلنا، تجمع بعض الأطفال  حولنا، وحدق بعض الرجال الماضون  في طريقهم إلى المسجد نحونا طويلا. لعلهم كانوا يتساءلون عن هويتنا كغرباء ، كلا لست غريبا وأنا هنا في داري، طعم الغربة موجع ، ولن أتجرعه مرارته مجددا، سأبني حياتي هنا كما أريد ، هانئة وسعيدة، وسأبذل ما بوسعي لأن أطور  قريتي، فقد جمعت ثروة لا بأس بها، والأهم من المال لقد جمعت ثروة  من القيم أكسبتني إياها الأيام، ومبادئ استند عليها في حياتي. 

عندما لا  مست يد الباب المغبرة ، صافحتني يد أمي في الخفاء ، وكأنها ترحب بي ، لن يبقى المكان الذي عاشت فيه مهجورا بعد اليوم ، أريد أن أحيي كل بقعة جلست عليها. 

 تعاونت وزوجتي وابني الصغير سعيد في نقل الأمتعة. كان المنزل قديما جدا ، لقد شاخ كثيرا هو الآخر.

خرجت من المنزل بعد سماعي لصوت الأذان. كنت أهيء نفسي لتلقي ردة فعل الأهالي، ماذا عساهم يقولون! 
على أية حال كل ما  كنت أريد معرفته هو السؤال عن أبي.

قبل أن أدخل حرم المسجد شاهدت شيخا كبيرا يتكأ على عصاه ، حدق كل منا في الآخر ، اتسعت حدقتا عيني وبدت مني صرخة دهشة ، لم يكن سوى إمام المسجد هتفت محييا : 
 - الشيخ رجب؟!!  

رفع الإمام حاجبيه اللذان كانا يغطيان عينيه الغائرتان ، ليتفحصني مليا ، ويوقظ  ذاكرته لعله يعرفني ثم قال متسائلا : 

- أإنك أنت سالم؟   

احتضنته بكل الشوق المكنون له في قلبي وأنا أبكي من الفرح شاكرا الله أن أبقاه حيا لهذا اليوم

 - نعم أنا سالم  يا معلمي ، سالم يا شيخي الجليل جئت بعد طول غياب.  

 ربت بيديه على  ظهري ودنت منه تنهيدة باكية : 

 - أين كنت يا بني ، أين تركتنا كل هذه المدة؟. 

تحدثنا قليلا قبل دخول وقت الصلاة ثم دخلنا معا إلى المسجد.  
البعض عرفني فجاء مسرعا ليسلم علي، والبعض الآخر تغير فلم اعرفه ولم يعرفني، أصدقاء الطفولة رأيتهم هناك أيضا. 

 بعد انتهاء الصلاة تجمع الكل حولي، ليسمعوا مني ما جرى وأين كنت طوال تلك السنين. 

وقبل أن أغادر انفردت بالشيخ رجب وسألته عن والدي.

نكس رأسه وقال:

- ذات يوم جاءني والدك وقد كان يبدو متعبا للغاية ، سألني عنك وعن والدتك ، أخبرته بوفاة والدتك أما خبرك كان مجهول عندي أنا أيضا، فقد غادرتنا دون وداع.
بكى والدك حينها كثيرا يا سالم ، لقد بكى ندما على كل شيء. أخذت بيده وعقدت العزم على أن أبصره بطريق النور مرة أخرى . وبفضل هداية الله ترك والدك شرب الخمور وداوم على حضوره إلى المسجد ، كان يبدو لي دائما باكي العينين واهن الجسد ، تمنيتك هنا لتخفف عنه ، لم يعش طويلا يا سالم ، فقد فاضت روحه ذات يوم وهو خارج من المسجد.

- وهل غير هذا من نظرة الناس له؟

هز رأسه نفيا وأجاب بصوت واهن:

- من المؤسف أن أقول لك عكس ذلك ، فقد كان أهالي القرية في جهلهم يعمهون ، لم تفلح محاولاتي في تصحيح حال والدك الذي آل إليه بعد عودته ، الكل راح يردد فكرة أن بذرة الشر مزروعة فيه . لا تزال فئة كبيرة من سكان القرية يؤمنون بالخرافات وأن اللعنة التي نزلت على والدك وقد تصيبهم إن خالطوه! 

بكيت يومها كثيرا ، أسفا على موت والدي ، وعلى جفاء أهل القرية نحوه ،  لكن خبر عودته وصلاحه خفف من حزني ودعوت الله له بالمغفرة والرحمة.


 استقرت أوضاع أسرتي الصغيرة في القرية ، فتحت تجارتي فيها ، وتشاركت مع أحد الأصدقاء في بناء مدرسة للأطفال .  

لم يعد هناك من يلقبني بابن السكير ، واختفت نظرات الازدراء والشفقة ،  يبدو أن وضعي المادي أسهم بشكل كبير في مسح تلك الصورة ، نسوا  بأني من صلب ذلك الرجل الملعون كما يدعون! يا ترى أتراهم كانوا سيعاملونني هكذا إن رجعت إليهم بوضع بائس؟!

  هذا ما كنت أفكر فيه وأنا أتأمل النجوم بالقرب من الشجرة القريبة من منزلي.

جاء إلي ابني سعيد يدعوني للعشاء أخذته بين أحضاني وهمست له بود : 

 - بني إني أرجوا أن تعيش سعيدا دائما ، واجه الحياة بجلد وعزم ،  ولا تعبأ بما يريده الناس منك وإلا صرت غريبا عن نفسك ، كن سعيدا في كل حال ، قد يرى الناس السعادة مقصورة لمن جمع المال وبنى بها القصور فيبالغون في إظهار الاحترام له ، وإن كان فقيرا لن يتوانوا عن إلصاق العيوب فيه ، دعك منهم يا بني فالسعادة تكمن هنا.. 

 أمسكت بيده الصغيرة ووضعتها على الجانب الأيسر من صدره. 
 ابتسم سعيد ابن التاسعة ولعله لم يفهم  ما قلت.

لقد قطعت عهدا على نفسي بأن أحرص ما استطعت أن اكون فرحا يذكرني به أبنائي غدا  بعد رحيلي ،  فحياتي القاسية التي عشتها في الماضي علمتني الكثير.  

 أمسكت يده الصغيرة ودخلنا سويا إلى المنزل. 


 تمت.

الأربعاء، 12 مارس 2014

بين فكي الرحى




خرجت سارة من المنزل بعد أن التفتت يمنة ويسرة لتتأكد من خلو الطريق. وراحت تجري لتمسك أخاها الصغير ابن السنتين الذي زاد من سرعته وهو يرى أخته تجري خلفه. وصدى ضحكته الطفولية يتردد في أرجاء المكان.
  أمسكته سارة بتحنان كبير ورفعته إليها ضاحكة:


- لقد امسكتك أيها العصفور الصغير.  ضمته اليها مستمتعة بضحكاته العذبة.
   سارة فتاة في الثامنة عشرة. ذات جمال أخاذ. ممشوقة القوام. وأجمل ما فيها تلك اللمحة البرئية التي تغشى ملامح وجهها، يصعب على المرء أن لا يشعر بالراحة وهو يراها.ولعل النقاء الذي تجذر في داخلها، و الصفاء الريفي الذي تشربته منذ طفولتها أكسبها ذلك السمت الذي تأنس له النفس ولا تخطئه العين أبدا.  

لم تلحظ سارة تلك النظرات التي كانت تراقبها منذ أن خرجت.  كانت لا ترى سوى صغيرها الذي تخشى عليه من كل شيء.  إذ كان عادل في زيارة لصديقه الذي يسكن بجوار منزل سارة؛ قد دخل سيارته قبيل خروج سارة من منزلها، ولم يستطع منع  نفسه عن مراقبتها.  كانت نافذة سيارته مفتوحة بالقدر الذي سمح له بسماع ضحكتها المنتصرة وهي تمسك بأخيها، وسماعها وهي تعاتبه بلطف على خروجه من المنزل.وعندما ابتلع البيت سارة وأخيها الصغير أرجع ظهره للخلف وقد تنبه لشروده فأسرع يدير محرك السيارة ليغادر.

و عادل شاب أعزب في الخامسة والعشرين من عمره. فارع الطول.. قوي البنية. يعمل محاسبا في إحدى شركات العاصمة    طوال الطريق لم يجد عادل تفسيرا لاهتمامه باسترجاع صورة سارة.  الشابه القروية، التي سلبت منه تفكيره دون أن تدري.

  وعلى مدار يومين لم تبرح صورة تلك الفتاة مخيلته.لذا وبعد بعد نقاش طويل مع نفسه قرر مصارحة صديقة، ليقص عليه قصة جارته الحسناء.
وما إن أخبر صديقه سعيد حتى ضحك الأخير ممازحاً:

 - هههههه يا رجل أبهذه السرعة أحببتها ؟اطرق عادل  قليلا :  - وما المضحك في ذلك يا سعيد؟  جئت إليك ممنيا نفسي بأنك ستساعدني في التقدم إليها.  اعتدل سعيد في جلسته وقال بنبرة جادة : 

- لا عليك يا صديقي، سأخبر  أمي وهي ستسهل علينا المهمة. 

  وبالفعل أخبرت ام سعيد والدة سارة بالأمر. وبعد أيام ذهب عادل مع والديه وصديقه سعيد إلي منزل سارة.

  كان والدها رجلا في الخمسين من عمره. سمات الوقار والهدوء مرسومة على محياها.وقد  استقبلهم بكرم بالغ.بعد تلك الزيارة خرج عادل وهو يشعر بالسعادة كان لديه إحساس بأن الرد الذي سينتظره سيكون بالإيجاب.  

راحت والدته بدورها تمتدح سارة وتدعي الإله أن تكون من نصيب إبنها.في حين أن سارة لم تكن تعلم بالسر من وراء تلك الزيارة. فوالديها قررا السؤال عن الشاب قبل إخبارها. وبعد إسبوع اجتمع الوالدين بإبنتهما وفاتحها والدها بالموضوع. كانت مطرقة طوال فترة حديثه وقد تملكها الخجل.

نظر الأب لزوجته مبتسما، وقال وهو يغادر:

- سأنتظر ردك يا بنتي لكي أرد عليهم. 

بعد يومين اخبرت سارة والدتها بموافقتها.
زغردت الوالدة فرحا.. وأخبرت زوجها الذي كان مسرورا بدوره.  إلا أن هناك كان ما يشغل باله. إذ أن والده مسافر للعلاج وكان يتمنى أن يكون هنا ليسمع رأيه في الأمرأراد انتظار عودته لكن زوجته قالت له :

- لأي سبب سيرفض الجد هذه الزيجة ؟إن الشاب لا يعيبه شيء. وقد تأكدت أنت من حسن خلقه ونسبه؛ لا داع لتأخير الرد يا عزيزي.  قرر العمل بقولها خصوصا بعد أن علم أن والده سوف يتأخر في العودة اكثر.

كاد عادل يطير من الفرح وهو يستقبل الرد بالموافقة. هاهي ذي سارة ستصبح  عما قريب زوجة له.

كان عادل يتردد على بيت سارة كثيرا؛ فكل شيء هناك كان يسحره. وسارة الشابة الصغيرة  استطاعت فعلا  أن تملك قلبه بكل ما فيها.وهي أيضا بادلته المشاعر نفسها، كانت تحب سماع قصة تعرفه عليها. وهو لم يكن يمل يوما من إعادتها على مسامعها مرارا وتكرارا.


بدا الإثنان ملائمان لبعضهما كثيرا. كما أن الانسجام كان واضحا في علاقتهما. كان كل واحد منهما يعد الآخر كنز نفيس اهداه الله إليه. كيف لا وحياتهما  تلونت بلون آخر لم يعهداه من قبل.  

تقرر ان يكون العرس بعد عودة جد سارة. وتماثله للشفاء. فهو كبير العائلة ولم يجازف والد سارة بالموافقة على تقديمه.
يكفي أنه عقد قران إبنته بدون وجوده.فالجد في تلك القرية لا يزال له السلطة في كل شيء. هو الآمر الناهي. وما على البقية سوى الطاعة.  

احترم عادل تلك الرغبة  وقدر عاداتهم الخاصة.
عاد الجد بعد مرور اسبوعين على عقد قران سارة.  وكم كانت صدمته قوية عندما تلقى الخبر.  كان الجد صارما لدرجة كبيرة. وتقاسيم وجهه الحادة تجعل محدثه حذرا من محاولة تعكير مزاجه.عندما اخبره ابنه عبدالله -والد سارة - بالأمر صرخ في وجهه غاضبا:

- أكان صعبا عليك انتظار قدومي؟  أم تراك ما عدت تحترم رأيي؟.
رد عليه إبنه المطرق احتراما لوالده:

- ليس ذلك يا ابي. لكن لم يكن من اللائق تأخير ردنا عليهم. ثم إن الشاب وعائلته لا يعيبهم شيء.  

كان الجد يعرف إبنه جيدا، فهو لن يتسرع في أمر حساس كهذا. لكنه في الوقت ذاته كان مصرا بأنه اقترف إثما كبيرا بعدم سماعه لرأيه. لذا أكمل صراخه الذي بدا به وكأنه أسد ثائر:  

 -اتركني الآن لأرتاح. لا اود سماع اي شيء عن هذا.  

خرج عبدالله وقد بدا الحزن جليا في محياه. كان يتوقع حدوث هذا. لكن الوقت تأخر ولم يملك حينها سوى الدعاء بأن يهدأ والده.

كان كل ما يفكر فيه هو ابنته سارة. لم يشأ اخبارها بموقف الجد. فذلك كفيل بتعكير سعادتها التي يراها تشع من عينيها، وهل يطيق رؤية ذلك الوجه  الباسم مسلوبا من ابتسامته؟ 

 لكن الجد  استمر في عناده وتمسكه بموقفه. حتى أنه رفض فكرة رؤية عادل. فلا شيء يدعوه لذلك طالما أنهم لم ينتظروا عودته وسماع رأيه.
لم تكن قضية صعبة.  ولكن في عائلة كعائلة سارة لم يسبق لأحد أن قضى أمرا بدون علم الجد.  فطالما أنه على قيد الحياة كل الأمور تعود إليه، كالملك تماما!.

وعلى مدار ثلاثة ايام ظل الجد رافضا الحديث مع عبدالله . الذي كان يعود إلى منزله في كل  مرة كسير الخاطر.  

فوالده عد عقد قرآن حفيدته جرم كبير لن يسامحه عليه.لم يغب الأمر عن سارة طويلا. فقد لاحظت علامات التعب النفسي على وجه والدها. إضافة إلى  انها التقطت جزءا من حوار والديها ذات مره وهي ذاهبة إلى غرفتها

 أقلقها سوء الفهم الواقع بين والدها وجدها في بادئ الأمر. لكنها سرعان ما نسته.

كانت ترى أن على جدها أن يدرك أن الزمن قد تغير، وقد استبدل الناس نمطا جديدا لحياتهم. لكنها تأخذ في الحسبان أن ذلك أمر يكاد يكون مستحيل بدرجة كبيرة على رجل مسن كجدها ، وعلى أغلب سكان قريتها؛ إذ ضلوا متمسكين بعاداتهم  وتقاليدهم كونهم في قرية نائية . 

عندما  علم عادل بعودة الجد، قرر الذهاب مع والده لزيارته. ولم يكن يعلم ما يخبئ له القدر في تلك الزيارة.

كان الجد محاطا بأبنائه السبعه عندما طرق عادل الباب.  شعر والد سارة بالارتباك، لم يكن مستعد لهذا اللقاء. كان خائفا من موقف والده.  بدا الكل يصطنع الابتسامة في وجه الزائرين. غير المرحب بهما عند الجد. وعندما لمح الجد عادل علم بحدسه من يكون. لذا أعطاهم ظهره وتظاهر بالنوم

 حاول الأبناء جعل الأمر يبدو طبيعيا. شيخ مسن عاد من رحلة علاج طويلة فلا يجب ايقاظه من نومه لأي سبب كان.  

تفهم عادل ووالده ذلك غير أن الجو المكهرب، الذي مُلئ بالابتسامات المجاملة  لم يطمئن عادل.  فكر في أن صحة الجد أسوء من ما يبدو ولهذا تصنع ابناءه الابتسام امامه.

قبل ان يغادر انفرد عادل بوالد سارة وأخبره أنه يريد تعجيل موعد العرس. و طالما أن الجد عاد فلم يعد هناك يدعو للتأخير أكثر.
  بدا التوتر واضحا على والد سارة عندما سمع  برغبة صهره لكنه تمالك نفسه وأجابه بكل هدوء:

- سنرى ذلك يا عادل. وسأحاول الرد عليك في اقرب فرصة

 كان ذلك الرد غريبا بالنسبة لعادل. وما أكثر الأشياء التي أثارت استغرابه من عادات عائلة سارة.  فهو ابن المدينة و لم يكن يعلم بوجود من يتمسك بمثل تلك العادات و التقاليد

 التي اعتقد انها لم تعد حية في زمن غزا الانفتاح فيه أغلب المجتمعات!فبالنسبة لمجتمع عادل يكفي أن يتفق الزوجان على موعد العرس، ولا شأن لأحد آخر بذلك.لكنه  في آخر الأمر قرر الانتظار احتراما لرغبتهم.


وقد أخبر سارة ذات يوم صراحةً بتعجبه من بعض العادات التي يتمسكون بها. كانت هي اكثر انفتاحا. لم يكن تفكيرها ضيق الأفق. تعلم أن هناك امور بالإمكان تجاوزها، فالحياة لم تعد كالسابق. لكنها في الوقت ذاته تدرك أهمية كل تلك الأمور بالنسبة لعائلتها. بل لأغلب أهل القرية.وقد مازحته عندما رأت رغبته الملحة في التعجيل بالعرس:

- هون عليك يا عادل سأكون هنا دائما ولن أطير بعيدا.  سواء كان موعد عرسنا اليوم ام بعد شهر.  تنهد هو بدور:

- لست أدري يا سارة قلبي ليس مطمئن. لكن من يدري عل هذا التأخير لصالحنا .


 قاطع الجد ابنه عبدالله  لأيام وعندما ذهب الأخير لإخباره برغبة عادل في تقديم موعد العرس نضر إليه شزرا وقال:

-  لا يهمني هذا. افعل ما يحلو لك.


انزعج والد سارة من موقف أبيه وقرر الموافقة على رغبة عادل. راجيا أن  تقف الأمور عند هذا  الحد. داعيا في الوقت ذاته بأن يعود والده إلى رشده. فالمسألة لا تستحق كل هذا الجفاء!.وفعلا تم العرس كان الجميع سعداء. باستثناء والدي سارة ، كلاهمها محزون من موقف الجد الذي لم  يحضر وظل على  عناده القديم.  

أسفت سارة لذلك لكنها لم تطل التفكير في الأمر. وقد  عذرت جدها لصحته.

  لكن الأمور لم تكن بتلك السهولة.  فبعد مرور شهر على زواجها. وبعد محاولات شتى لإعادة الأمور إلى ناصبها  الصحيح  بين الأب والجد، وفي  مجلس جمع جميع  الأبناء.   قال والد سارة لأبيه :

- لم كل هذه القطيعة يا  أبي؟ اعترفت بخطأي منذ  زمن. ألم يأن  الوقت لننسى ما حدث؟.  يا أبتي إن ذلك..
صرخ الجد مقاطعا:

-   ننسى ماذا؟  أأنسى   بأنك ضربت بكلمتي عرض الحائط؟.  اليوم أنت .. ثم وزع نظراته  الحانقة على أبناءه واحدا واحد .. وأردف.. وغدا قد يحذوا الجميع حذوك!.إيه على تلك الأيام التي انقضت. كيف تسمح لنفسك أن تقلل من شأن والدك هكذا؟! .. ماذا سيقول الناس عني غدا عندما أصبح أقصوصة القبيلة كلها.  أي وجه لي أمام الشيوخ بعد هذااييه بكل سهوولة تريدني أن انسى! رحم الله زمانا لم نكن نجرؤ فيه على مخالفة أبائنا.  تكلم  الإبن الأكبر: 

- يا والدي العزيز أنت تعلم أن مكانتك بيننا لن تتغير. تظل فوق رؤوسنا مرفوعا مكرما.  لكن يا أبتي اغفر لأخي زلته. فلكل جواد كبوة.
 أشاح الجد بنظره بعيدا عنهم وقال :

- حتى انه لم يسألني عن رأيي في زوج ابنته؟!!  وإن كان يهمك فلتعلم بأني لم ارتح لذلك الشاب. قادم من المدينة لا نعلم عنه شيء!  وإني لأعلم منك  بأحوال أهل المدن لكنك إبن...قبل أن يكمل الجد  اقترب منه عبدالله وأمسك بيديه وقال :

- لا  تكمل يا أبي.. إني استحق كل ما تريد قوله..  لكن مهلك فأنت لم تتعرف عليه بعد. سيعجبك حقا  إن  عرفته. فهو شاب ناضج واع..
استل الجد يديه وقال معاندا:

- لا أحتاج لأن اسمع منه. يكفي أني رأيته.  ثم إنه ليس أفضل من شباب القبيلة.أطرق الجميع.. ولم يقطع ذلك الصمت المخيم إلا صوت  الجد وهو يقول: 

 - تقول لي أنسى؟! لن أنسى إلا إذا فكت العقدة.حدق الجميع في وجوه بعضهم.
- ماذا تقصد يا أبتي؟اسند الجد ظهره  في جدار الغرفة وقال :

- اطلب منه أن يطلقها.

زاغت عيون  الجميع.  بينما تقطعت كل الكلمات في حنجرة  عبدالله- لا يمكن ان تكون جادا يا أبي. ليس لي الحق...صرخ الجد مجددأ :

- بل لك  كل الحق يا هذا .. أم ليس لك الحق إلا في عقوقي؟!

  بدا الانزعاج في وجه عبدالله  وقال :

- اني حقا لا استطيع. كيف اهدم سعادتهما يا ابي؟ إن ذلك ما لا اطيقه !.انزعج الجد وقال :

- ذلك شأنك إذا.. غب  عني فما عدت أريد رؤية وجهك بعد اليوم.  أنت ابن عاق.. نعم أغرب عن وجهي.

خيم الوجوم في وجووه الجميع. حاول بقية الابناء تهدئة الوضع لكن الجد كان مصرا.

امتلئت عيني عبدالله بالدموع، يعز عليه أن يرى والده  هكذا. حدق في عيني والده فرآهما ايضا تلمعان بماء  الدمع.  فطالما كان ابنه رجلا  بارا وهو يعلم ذلك. غير ان حمية الأقدمين تسري في كيانه. فلا يرى أمامه إلا ما رآه اباءه وأجداده من قبل.
إنه لمن الكبائر أن يعامل ابن  والده بهذا الإجحاف. هكذا كان يفكر الجد البائس.

خرج عبدالله  ولحقه أخاه الأكبر وتتابع الإخوة في الخروج بعد ان انفض مجلسهم بأسوأ ما يكون.قال له أخاه الكبير حاتم:

- لم لا تطلب منه أن يطلقها يا أخي سارة لا تزال شابه صغيرة والكل يتمناها   فلا ضير في ذلك.

وأكمل آخر : 

  - نعم يا عبدالله  . ليس الأمر بتلك الصعوبة، فهما لم يقضيا وقتا طويلا مع بعضهما بعد، وهذا يسهل الأمور. لا تزال علاقتهما في بدايتها.
قال حاتم ألذي كان أقرب الإخوة من تفكير والدهم :

- اسمع يا عبدالله . لعل هذه الزيجة خاطئة منذ البداية. أنت تعلم ان عاداتنا تقتضي بأن تزوج الفتاة من أحد شباب عائلتها.

لا ادري لم كسرت هذه  القاعدة المهمة وخالفتنا من البداية؟صحيح انه ليس في العائلة شاب يصلح لأن يكون زوجا لها . لكن في القبيلة الكثيرين من هم مثل عادل وأفضل. ام بسبب كون عادل من المدينة  فضلته على شباب قبيلتنا؟
وأكمل عليه خالد :  

 - أنا أرى أن كلام والدي صحيح. فنحن لا نعلم بطباع أهل المدينة. إن سارة هنا على الأقل كانت ستعيش حياة تألفها. بدل أن تتغرب عنا هناك في حياة لم تعهدها من قبل.
وأكد عليه سليمان:

- الجميع على حق يا عبدالله،  ثم إن رضى والدي أهم من كل شيء. وأظن أن عادل و سارة لا يرضيان بحدوث هذه القطيعة. وبما انه لا يوجد حل وسط. أرى أن تقدم رضى والدنا على كل شيء.  

هكذا بدأ الإخوة يقنعون أخاهم بفكرة الطلاق.. إلا أن عزم على تنفيذها.  عاد  إلى منزله لا يحرك تفكيره سوى سلطة الأب الكبير والعائلة والقبيلة. ترك سعادة ابنته جانبا وقرر إخبار عادل بأسرع ما يمكن.


 صعقت زوجته من الخبر. لكنه راح يعب عقلها بما صب في عقله هو.  بكت الزوجه وقالت :

- لكن يا عبدالله لا أود تخيل وقع هذا الخبر على ابنتنا. إن ذلك أمر قاس
- لا تقلقي سأبحث لها عن زوج أجدر بها.فأنكست الزوجه رأسها تفكر وقد سلمت للأمر.


لم يكن الحبيبان يعلمان ما يخبئ لهما القدر. كانا يرفلان في بحور السعادة.  وفي ذلك اليوم الذي أبرم القوم امر طلاقهما كان عادل وسارة في منزلهما يستعدان للخروج في نزهه كعادتهما في عطلة كل أسبوع.  

وفي طريقهما إلى احدى الحدائق .استقبل عادل اتصالا من والد سارة يخبره بأنه يتمنى منه أن يذهب لزيارتهم لأمر مستعجل

شعرت سارة بالقلق. كانت خائفة من أن يكون شيء قد حدث لجدها.  فعادا سريعا إلي المنزل ليجهزا أمتعتهما.
وما هي إلا ساعات حتى كان الإثنان في منزل سارة. جرت سارة إلى والدتها تحتضنها رأت لمحة حزن في عينيها فقالت فزعه:

-  ماذا هنأك يا أمي؟ احدث شيء لجدي؟ 

 كادت الدمعة تسقط من عين الأم وهي تقول في سرها :

- هذا  الجد الذي تقلقين عليه سيهدم أغلى ما تملكين يا ابنتي.

دخل عادل إلى مجلس الرجال حيث اجتمع هناك بوالد سارة و أكبر أعمامها.  وبينما هم يتجاذبون أطراف الحديث. دخل والده وكان الكدر باديا عليه.

ازداد القلق لدى عادل وعلم أن ما خفي لن يكون سارا. ود لو يصرخ فيهم كفأكم تلاعبا بأعصابي افصحوا بما لديكم.
وعندما حان الوقت بدأ والد سارة الحديث وبدا في تلك اللحظة كأنه لا يخاطب الا نفسه : 

-  تعلمون جميعا أن بعض الأمور قد تخرج عن إرادتنا. ولعل أخطاء صغيرة توقعنا في مشاكل كبيرة.  فإن كان الخطأ الصغير قد تم فإن الحل الوحيد هو تلافي حدوث مشاكل أدهى وأمر.

في تلك الساعات شعر عادل بأن الفأس بات قريبا فقال بتوتر واضح :

- افصح ما لديك يا عمي، لما أجد نفسي فجأة هنا مجبرا على سماع حديث  يدور رحاه عن المشاكل؟. بالله عليك طمئني ما الذي حدث؟
 تكفل عم سارة الأكبر بالإجابة :

- كل ما في الأمر يا عادل اننا نطلب منك طلاق سارة.
وصل الخبر لعادل كالصاعقة. أهذه مزحة؟ كيف يبدوا الامر لهم بهذه السهولة!
نظر عادل نحو والده الذي كان مطرقا. لائذا بالصمت. لم تكن ملامح الجميع تنطق بشيء. كانت جامدة قاسية في وجه الشاب المرعوب.   فقال باندهاش:

 - أطلقها؟ ولماذا اطلقها يا عم؟ هل فعلتُ شيئاً مسيئاً ؟  أجاب والد سارة بحزم :

- كلا لم تفعل . لكني اخطأت خطائين فادحين عندما لم أنتظر والدي حتى يعود. وكان هذا الخبر صدمة له. ثم اخطأت مرة اخرى عندما سمحت بتنفيذ العرس.  كأن ذلك تصرف مجحف بحق والدي. فالأمر بيده.. وأنا بفعلتي أشعرته بالمهانة.  عادل أنت شاب عاقل وستتفهم ما أقول. إن والدي رجل كبير، وكلمته بيننا لا ترد. لا يمكننا افتعال مشاكل بين العائلتين. لذلك اطلب منك تسريح ابنتي.

 زاغت عينا عادل وهو في ذهول تام:

- لا لا استطيع يا عم. انت تطلب مني المستحيل.. يمكننا إرضاء الجد بطريقة اخرى.  نظر إليه والده وقال كمن يبت امرا لا رجعة فيه :

- عادل .. بني .. عليك أن تعلم أن هذه أمور عائليه لا نقاش فيها. قد يكون حالنا في المدينة مختلف كثيرا ولهذا قد يصعب عليك استيعاب القضية هنا. لكني أرجو منك أن تكون أكثر تعقلا  وتنفذ رغبة الجد. دعنا نحافظ على سلامة علاقتنا ببعضنا

ونحن لا نريد إثارة المشاكل.هنا شعر عادل بالضعف.. الكل ضده وكأنه واقع تحت مؤامرة حيكت في  الخفاء لتطبق عليه.كاد يبكي كالطفل الذي سلبت منه لعبته الثمينة بعد أن تعب في الحصول عليها. لكنه تمالك نفسه واستأذن للانصراف.

وبصوت خنقته العبرة قال :

- اريد أن أبقى لوحدي قليلا. وسأفكر في الأمر.  ثم أكمل في نفسه: سحقا وكأنهم تركوا لي فرصة لأفكر!.أجابه والد سارة :

- أتمنى لك التوفيق يا ولدي. وصدقني إني مكره على هذا. ولكن هذا هو القدر.
غادر عادل وما أن دخل سيارته حتى فجر خزان الدموع المحبوس في عينيه بعد ان فاض الكثير منه بداخله.
بعد ان انفض المجلس سألت سارة والدها عن عادل فأخبرها بأنه غادر.  بكل دهشة قالت :

- غادر؟ إلى أين؟ وكيف يغادر وهو لم يخبرني حتى؟

 تأملها والدها مليا. كان مشفقا لحالها وللخبر الذي ستتلقى .. لذا ظل صامتا وغادر.
أسرعت سارة إلى الهاتف الذي كان مهملا في زاوية الغرفة.  طلبت رقم عادل بسرعه لكنه لم يرد.. حاولت مرار وتكرارا إلى أن أغلق عادل  هاتفه  كليا.صرخت غاضبة :

- ماذا حدث برب السماء؟
لم ينم اي منهما تلك الليلة ، عادل الذي جفت مقلتيه من الدموع يحاول أن يهيئ نفسه لقادم سيغدو كئيبا. وسارة  أرقها النوم وهي تفكر في زوجها الذي تركها تحارب الظنون.

وقف عادل أمام المرآه وفي داخله نشب صراع مرير. لابد أن يتحلى بالشجاعة ويقف أمام الجميع، معلنا رفضه التام لرغبتهم ولتذهب كل تلك العادات الى الجحيم.

لكن صوتا مريعا صرخ في داخله : كيف تجرؤ على ذلك؟ ألا تعلم أن الأمر حسم منذ مدة، ليس لك الخيار.

صرخ عادل وهو في قمة تعبه وانهياره: تبا لكل شيء!.

بعد يومين من الصراع قرر عادل أن ينهي العذاب بسرعة. أدرك أنه لا خيار آخر. فقد  سدت كل السبل أمامه فجأة.

بيد ترتعش اتصل بسارة.   لم يستطع أن يغير من نبرة الحزن الصارخة  في صوته عندما كلمها .  بكت  سارة عندما سمعته وقالت تعاتبه :

- لما رحلت هكذا يعادل لقد أقلقتني. ولم ترد على اتصالاتي. اخبرني ما الذي حدث؟.  

قال بصوت يائس:

- عزيزتي ارجو أن تتحملي ما سأقول. صمت قليلا.. وتنهد بحرارة ثم قال :

أنت يا سارة طالق.

اتسعت عينيها وضغطت على سماعة الهاتف بشدة، حاولت أن تتماسك كل لا تقع من هول الصدمة.

- ماذا تقول يا عادل؟ ..ثم ماتت كل الكلمات في داخلها.  

ولأول مرة تسمع صوت بكاء حبيبها الذي ما عشق القلب يوما أحدا مثله.بكل ضعف قال لها :

- إنها رغبة جدك يا سارة. إن أهلك كلهم أرغموني على هذا. لا اود إذائك يا عزيزتي.. لكن.. لكن هذه التقاليد بائسة.. الظالمه قتلت علاقتنا.

رمت سارة الهاتف بعيدا.. وراحت تجري وهي تبكي إلى منزل جدها.
عندما دخلت رأت جدها وعمها يتناقشون في أمر ما.. بدون أي مقدمات صرخت في وجههم :

- لماذا أبعدتم عادل عني؟ ما الذي فعلناه لنستحق هذه الطعنة المميتة منكم..

وقبل أن تكمل أكثر اقترب منها  جدها الذي بدا غاضبا جدا و صفعها بقوة. صارخة في وجهها المحمر:   

- يا شقية اترفعين صوتك علينا؟.. منذ متى لصبية مثلك لسان بهذا الطول.  إنه  هو الذي أفسدك.  إبتعدتي عنا فنسيت أخلاقنا التي ربيتي عليها.  لم أكن لأسمح بهذا الزواج ابدا. وها أنت تثبتين لنا أن رأينا كان صائبا. لقد افسدتك طباع أهل المدينة.


جاء والدها وشاهدها مرتمية على الأرض تبكي.  

عندما شاهدت أباها اشتعل الغضب بداخلها مجددا. لم لم يقف بجانبها ؟ لما لا يزال يتمسك مثل جدها بتقاليد عفى عليها الزمن.  قامت من مكانها ومن بين دموعها صرخت مجددا

-  ستندمون كثيرا، ولن أسامحكم بعد هذا ابدا..

اعتزلت سارة منذ ذلك اليوم الجميع. رفضت كل محاولات والديها لإقناعها. كانت تقول في سرها وهي تبكي:  ماذا يريدون مني بعد كل هذا. أيقتلونني ويمشون في جنازتي!! . يال سهولة الأمر لديهم.
أهملت سارة صحتها. وقد عافت كل شيء.   

بدى الوهن واضحا  عليها.. استمر حالها هكذا أسبوع كامل دخلت بعدها في دوامة حمى شديدة.. كما عانت فيها من نوبات الهذيان والاكتئاب  المتكررة، و لم تخرج منها إلا فاقدة العقل.هكذا أصبحت سارة فتاة الثامنة عشرة مجنونة  لا تدرك من أمر دنياها شيء.


وكم فجع أهلها بهذا المصاب وأدركوا بعد أن سبق السيف العذل كم أجرموا في حقها.لم يطق والدها رؤيتها. وكان يتحاشى ذلك؛  فكلما رائها تعذب بسياط الضمير، ذلك  القاضي  الذي لا يرحم المذنب ابدا.ولهذا قرر  إرسالها إلى مصحة عقلية

عل ذلك يخفف عنه وطأة العذاب الداخلي الذي بات يعيش فيه.لم يكن  الذهاب إلى المصحة العقلية يعني أي شيء  لسارة. تساوت الأمور الأماكن كلها لديها.  


اما بالنسبة لعادل فقد قرر بعد سنة  من هذه الحادثة الزواج مرة أخرى. ممنيا نفسه بنسيان كل شيء يتعلق بسارة التي لم يعلم بمصيرها

لكن الأقدار لم تمهله كثيرا فلم يمض على زواجه سوى بضعة أشهر. حتى داهمه مرض شديد. أودى بحياته. لتعود روحه إلى بارئها.
 هكذا انتهت قصة عادل وسارة بعد أن طحن حبهما برحى التقاليد التي لا ترحم.


تمت.