الأربعاء، 12 مارس 2014
بين فكي الرحى
خرجت سارة من المنزل بعد أن التفتت يمنة ويسرة لتتأكد من خلو الطريق. وراحت تجري لتمسك أخاها الصغير ابن السنتين الذي زاد من سرعته وهو يرى أخته تجري خلفه. وصدى ضحكته الطفولية يتردد في أرجاء المكان.
وعلى مدار يومين لم تبرح صورة تلك الفتاة مخيلته.لذا وبعد بعد نقاش طويل مع نفسه قرر مصارحة صديقة، ليقص عليه قصة جارته الحسناء.
وبالفعل
أخبرت ام سعيد والدة سارة بالأمر.
وبعد
أيام ذهب عادل مع والديه وصديقه سعيد إلي
منزل سارة.
راحت
والدته بدورها تمتدح سارة وتدعي الإله
أن تكون من نصيب إبنها.في
حين أن سارة لم تكن تعلم بالسر من وراء
تلك الزيارة.
فوالديها
قررا السؤال عن الشاب قبل إخبارها. وبعد
إسبوع اجتمع الوالدين بإبنتهما وفاتحها
والدها بالموضوع.
كانت
مطرقة طوال فترة حديثه وقد تملكها الخجل.
بعد يومين اخبرت سارة والدتها بموافقتها.
كاد
عادل يطير من الفرح وهو يستقبل الرد
بالموافقة.
هاهي
ذي سارة ستصبح عما قريب زوجة له.
تقرر ان يكون العرس بعد عودة جد سارة. وتماثله للشفاء. فهو كبير العائلة ولم يجازف والد سارة بالموافقة على تقديمه.
احترم عادل تلك الرغبة وقدر عاداتهم الخاصة.
- أكان صعبا عليك انتظار قدومي؟ أم تراك ما عدت تحترم رأيي؟.
خرج
عبدالله وقد بدا الحزن جليا في محياه.
كان
يتوقع حدوث هذا.
لكن
الوقت تأخر ولم يملك حينها سوى الدعاء
بأن يهدأ
والده.
لكن الجد استمر في عناده وتمسكه بموقفه. حتى أنه رفض فكرة رؤية عادل. فلا شيء يدعوه لذلك طالما أنهم لم ينتظروا عودته وسماع رأيه.
وعلى
مدار ثلاثة ايام ظل الجد رافضا الحديث مع
عبدالله .
الذي
كان يعود إلى منزله في كل مرة كسير
الخاطر.
أقلقها
سوء الفهم الواقع بين والدها وجدها في
بادئ الأمر.
لكنها
سرعان ما نسته.
عندما
علم عادل بعودة الجد، قرر الذهاب مع
والده لزيارته.
ولم
يكن يعلم ما يخبئ له القدر في تلك الزيارة.
قبل ان يغادر انفرد عادل بوالد سارة وأخبره أنه يريد تعجيل موعد العرس. و طالما أن الجد عاد فلم يعد هناك يدعو للتأخير أكثر.
- لم كل هذه القطيعة يا أبي؟ اعترفت بخطأي منذ زمن. ألم يأن الوقت لننسى ما حدث؟. يا أبتي إن ذلك..
- يا والدي العزيز أنت تعلم أن مكانتك بيننا لن تتغير. تظل فوق رؤوسنا مرفوعا مكرما. لكن يا أبتي اغفر لأخي زلته. فلكل جواد كبوة.
- لا تكمل يا أبي.. إني استحق كل ما تريد قوله.. لكن مهلك فأنت لم تتعرف عليه بعد. سيعجبك حقا إن عرفته. فهو شاب ناضج واع..
- تقول لي أنسى؟! لن أنسى إلا إذا فكت العقدة.حدق الجميع في وجوه بعضهم.
امتلئت عيني عبدالله بالدموع، يعز عليه أن يرى والده هكذا. حدق في عيني والده فرآهما ايضا تلمعان بماء الدمع. فطالما كان ابنه رجلا بارا وهو يعلم ذلك. غير ان حمية الأقدمين تسري في كيانه. فلا يرى أمامه إلا ما رآه اباءه وأجداده من قبل.
- نعم يا عبدالله . ليس الأمر بتلك الصعوبة، فهما لم يقضيا وقتا طويلا مع بعضهما بعد، وهذا يسهل الأمور. لا تزال علاقتهما في بدايتها.
لا ادري لم كسرت هذه القاعدة المهمة وخالفتنا من البداية؟صحيح انه ليس في العائلة شاب يصلح لأن يكون زوجا لها . لكن في القبيلة الكثيرين من هم مثل عادل وأفضل. ام بسبب كون عادل من المدينة فضلته على شباب قبيلتنا؟
- أنا أرى أن كلام والدي صحيح. فنحن لا نعلم بطباع أهل المدينة. إن سارة هنا على الأقل كانت ستعيش حياة تألفها. بدل أن تتغرب عنا هناك في حياة لم تعهدها من قبل.
- لكن يا عبدالله لا أود تخيل وقع هذا الخبر على ابنتنا. إن ذلك أمر قاس
شعرت سارة بالقلق. كانت خائفة من أن يكون شيء قد حدث لجدها. فعادا سريعا إلي المنزل ليجهزا أمتعتهما.
- هذا
الجد الذي تقلقين عليه سيهدم أغلى ما
تملكين يا ابنتي.
ازداد القلق لدى عادل وعلم أن ما خفي لن يكون سارا. ود لو يصرخ فيهم كفأكم تلاعبا بأعصابي افصحوا بما لديكم.
- افصح ما لديك يا عمي، لما أجد نفسي فجأة هنا مجبرا على سماع حديث يدور رحاه عن المشاكل؟. بالله عليك طمئني ما الذي حدث؟
- كل ما في الأمر يا عادل اننا نطلب منك طلاق سارة.
-
كلا
لم تفعل .
لكني
اخطأت خطائين فادحين عندما لم أنتظر والدي
حتى يعود.
وكان
هذا الخبر صدمة له.
ثم
اخطأت مرة اخرى عندما سمحت بتنفيذ العرس.
كأن
ذلك تصرف مجحف بحق والدي.
فالأمر
بيده..
وأنا
بفعلتي أشعرته بالمهانة.
عادل
أنت شاب عاقل وستتفهم ما أقول.
إن
والدي رجل كبير، وكلمته بيننا لا ترد.
لا
يمكننا افتعال مشاكل بين العائلتين.
لذلك
اطلب منك تسريح ابنتي.
ونحن
لا نريد إثارة المشاكل.هنا
شعر عادل بالضعف..
الكل
ضده وكأنه واقع تحت مؤامرة حيكت في الخفاء
لتطبق عليه.كاد
يبكي كالطفل الذي سلبت منه لعبته الثمينة
بعد أن تعب في الحصول عليها.
لكنه
تمالك نفسه واستأذن للانصراف.
- أتمنى لك التوفيق يا ولدي. وصدقني إني مكره على هذا. ولكن هذا هو القدر.
تأملها والدها مليا. كان مشفقا لحالها وللخبر الذي ستتلقى .. لذا ظل صامتا وغادر.
- ماذا حدث برب السماء؟
رمت سارة الهاتف بعيدا.. وراحت تجري وهي تبكي إلى منزل جدها.
اعتزلت سارة منذ ذلك اليوم الجميع. رفضت كل محاولات والديها لإقناعها. كانت تقول في سرها وهي تبكي: ماذا يريدون مني بعد كل هذا. أيقتلونني ويمشون في جنازتي!! . يال سهولة الأمر لديهم.
لكن
الأقدار لم تمهله كثيرا فلم يمض على زواجه
سوى بضعة أشهر.
حتى
داهمه مرض شديد.
أودى
بحياته.
لتعود
روحه إلى بارئها.
الخميس، 26 ديسمبر 2013
إغتيال الحلم!.
حدق المهندس المعماري ذو الخمسين عاما في أرجاء بلدته الصغيرة، تفحص تقاسيم ملامحها بدقة. كان يطل عليها من خلف النافذة الكبيرة لمكتبه. الذي يقع في الدور الخامس من مبنى الشركة التي يعمل بها.
فجأة قفز من مكانة جريا ليمسك ورقة وقلم؛ فثمة فكرة تأججت في ذهنة. وراحت تطرق باب مخيلته بشدة، طالبةً منه السماح لها بالدخول، ومجبرةَ إياه على التفكير فيها بشكل جاد. لهذا راح يضع تصورا دقيقا لها. عله بهذا يرضيها ويرضي نفسه الطامحة للتجديد.
أمسك بحاسوبه، ونقر على لوحة
المفاتيح بكل حماس ليكتب طلبه على الشبكة العنكبوتيه، وفي ثوان ظهرت له خريطةً جوية لبلدته. أخذ يركز فيها ويقرب تفاصيلها أكثر وكثر.
ثم صرخ بصوت عالي وقد تلبسه الفرح : نعم هنا.. هذه هي المنطقة المناسبة. يا إلهي إنها لفكرة رائعة. إذا نجحت في التخيطيط
الدقيق لها، وجسدتها على هذه الأوراق كما
يجب، فإنها ستغدو مشروعا ضخما، سينمي هذه البلده، بل لعلهم يتوسعون فيه
فينشأونه في أكثر من منطقة. ولما لا إنه يستحق. نعم نعم يستحق ان يوهب الحياة.
حدق في الخريطة مرة أخرى، وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة من حين لآخر، وكأنه
يخاطب تلك الفكرة المجنونة التي حركت الخلايا الرمادية المبدعه في عقله.
أخرج كل الأدوات التي يحتاج إليها وقال لنفسه بعزم يستحثها على بدأ العمل:
إن الأمر لا يحتمل التأجيل، نحتاج إلى تنمية كل قطر في هذه الأرض؛ فهي لم تبخل
علينا يوما بشيء. لن اغادر المكتب إلا بعد ان انهي هذا العمل.
لم يعد إلا منزله في ذلك اليوم إلا بعد منتصف الليل، فقد عكف على مخططه، بعد
أن وعد فكرته بأن يريها النور قريبا.
إستقبلته زوجته بقلق : ما بالك تأخرت يا زوجي العزيز؟ لقد إتصلت بك عشرات
المرات. ألا تدري كم أرعبني غيابك!؟.
رأى القلق في عينيها، كما رأى حركة شفتيها، ولكنه لم يسمع شيئا مما قالت. كان مخمورا بنشوة الحلم حتى الثمالة. أمسك بيديها
وقال: سترين شيئا رائعا ذات يوم.
أخرج الورقة التي كانت مخبئة في جيبه، وأشار إلى التصميم الهندسي الذي أبدع
في رسمه. وراح يهز الورقة امامها بفخر انعكس على محياه
- أعذريني يا عزيزتي كنت منشغلا بهذه الفكرة،
لم أهدأ إلا بعد أن انهيت تخطيطها بشكل دقيق.
حدقت في وجهه النابض بالفرح، ثمة بريق مختلف في عينيه المتلئلئتان، وكأن شعاع من الأمل يخرج
منهما، ردت عليه بإعجاب: حقا إنه تصميم بالغ الدقة. ثم نظرت إليه بعتب وأردفت:
ولكن أهو مهم لهذه الدرجة التي تجعلك أصم عن سماع الهاتف؟
ابتسم بكل ثقة وقال: لا عليك ربما لا تدركين
الآن كيف أنه يستحق كل هذا. غدا عندما ترينه بأم عينيك ستأتين لتباركين لي هذا
النجاح غير المسبوق.
نظرت إليه بحيرة. وبعين يغالبها النعاس همست له بود: إني أتمنى لك التوفيق يا عزيزي، وأرجو
أن أراه قريبا على أرض الواقع؛ لأشاركك فرحتك.
في صباح اليوم التالي إنطلق الى البلدية وطرح عليهم فكرته، كان يشرح أدق
تفاصيلها بكل حماس.
بعد ان أنهى حديثه ، قال له مدير البلدية
بصوت رتيب :
- سننظر في الأمر، يبدو لي أنه مشروع جيد. ولكننا لا نستطيع الرد عليك بشيء الآن. نحتاج إلى عقد جلسة نجتمع فيها بالخبراء والمسئولين حتى نبت في الأمر.
- سننظر في الأمر، يبدو لي أنه مشروع جيد. ولكننا لا نستطيع الرد عليك بشيء الآن. نحتاج إلى عقد جلسة نجتمع فيها بالخبراء والمسئولين حتى نبت في الأمر.
ثم قدم له ورقة وطلب منه تدوين بياناته
ليتمكنوا من التواصل معه.
خرج من مبنى البلديه وهو يردد : مشروع جيد!،
مشروع جيد!، أيها المدير لقد خانك التعبير، كان يجدر بك القول أنه مشروع ممتاز.
لكن لا بأس سأنتظر ردكم بفارغ الصبر.
مر إسبوعان ولم يأتي الرد. رأته زوجته يذرع الغرفة جية وذهابا وهو يحدق في الهاتف الساكن في الزاوية من حين لآخر.أخبرته بأن الأمر قد يكون أصعب مما يظن ولابد له ان ينتظر، لذا اخذ بكلامها مصبرا نفسه. كان يمني نفسه بسماع خبر سعيد، يجدد الحماس في داخله. وكان يطيل التحديق في
سماعة الهاتف، و تنتفض كل ذرة من كيانه عندما يسمع صوت رنينه، ولكنها سرعان ما
تهدأ وتسكن في خنوع يائس.
بعد طول انتظار قرر الذهاب إليهم مرة أخرى،
قال في نفسه لعلهم فقدوا رقم هاتفي، من يدري كل شيء محتمل.
لم تغب عن عينه رؤية نظرة الاستياء في وجه
مدير البلدية لمجرد رؤيته، وعندما سأله عن المشروع رد عليه المدير بضيق: لم انت
عجول يا رجل؟ لقد اخبرتك بأننا سندرس الأمر. إن هذه المسألة تحتاج لخطط وإستراتيجيات دقيقة. لا شيء في هذه
الحياة يحدث في يوم وليلة يا أخي.
خرج هذه المره من مبنى البلدية يجر أذيال
الأسف والخيبه. كان يتوقع ردا غير هذا، او على الأقل تمنى أسلوبا
لائقا يواسي حلمه الذي بدأ يفتر.
ومرت الأشهر والإتصال لم ياتِ، كلما هم برفع
السماعة ليستفسر تناهت إليه عبارات المدير
" نحتاج لعقد جلسه" " المسألة تحتاج لخطط وإستراتيجيات"
" لا تقلق سندرس الأمر" " لا تكن عجولا" وشيئا فشيء تلاشى
الحلم ، وقد يأس من إمكانية تحقيقه.
بعد مرور السنوات كان المهندس الذي غدا مسنا
يتكئ على عصاه يمشي عائدا إلى منزله بالقرب من مبنى البلدية، وبينما هو كذلك إذا بالرياح تطاير الأوراق المكدسه أمام مبنى
البلدية. إلتصقت ورقة صفراء بوجهه. أمسكها بيد ترتعش. إتسعت حدقتا عينيه
للحظه ثم أغمضهما بألم . عبرت دمعة حارة تجاعيد وجهه لتسقط على الورقة.
أنزل يده التي كانت تمسك بمشروعه القديم
بتثاقل كبير، عاتب نفسه التي سمحت له بأن يحلم بهكذا مشروع، ولم تذكره بأنه يعيش
في مجتمع يغتال الإبداع والمبدعين.
تساقطت الدموع من عينية وراح يردد : رحمة الله
عليك يا حلمي قتلوك في مهدك، فصبرٌ جميل.
أخرج قلم من جيبه وكتب على الورقة "
تم إغتيال الحلم الأغر"، علقها في الجدار ومضى.
تمت.
السبت، 9 نوفمبر 2013
كن خالداً بإحسانك
أن تكون محسنا يعني أن تحمل في قلبك حبا كبيرا يسع الكون بما فيه، فلا
تحمل في ذلك الجزء المخبأ بين أحشائك ضغينة لمن حولك. ولا تمنعك قومية ولا عصبية عن مد يد العون لمنيختلف عنك
أو معك. تبادر دائما لأن تنشر بذور السعادة في كل من حولك.

حتى لأؤلئك الذين تفننوا في إذاقتك صنوف الألم، ينتفض الشريان المحمل
بكريات الإنسانية في داخلك؛ إذا ما وجدتهم في حال أضعف منك. وفي أمس الحاجة إليك.
تقاوم رغبة الشر التي قد تحاول تحريضك ضدهم وتهمس لك أن "آن أوان الانتقام
"!. أوليس في سيد البشر قدوة لنا ونحن نتحدث في هذا الصدد؟
واجه من قومه ما واجه. عُذِب وأخرج من أحب بقاع الأرض إليه، أوذي في أهله،
قتل أصحابه واحدا إثر الآخر. ولكنه وهو القائد المنتصر قال لهم عبارته الحية عبر
السنين " إذهبوا فأنتم الطلقاء ". هذه هي قمة الإحسان؛ تعفوا عن الخلق
وأنت في أعلى درجات قوتك.
عندما تشعر بالألم يعتصر كيانك، وتسقط الدمعة تلهب خدك لرؤية البؤس يعشعش
في العالم من حولك. عندما ينبض قلبك بالرحمة لكل شيء حولك، فيدفعك كل هذا لأن تبذل
ما تستطيع لتغيير الواقع للأفضل؛ تجود بما لديك، تحنو بيدك لتمسح دمعة وترسم بسمة
في الوجوه. عندها ثق بأنك لاتزال على قيد الحياة، وأنك لازلت إنسان فبالإحسان تعيش
معاني اللإنسانية.
من المواقف العالقة بذهني، رغم تقادم الأيام عليها، موقفين لا أظن أني
سأنساهما. الأول : كان لنا ذات يوم قطة صغيرة، أصيبت بجرح كبير في ظهرها، وفي كل
يوم كان الجرح يزداد. كان شكلها يثير في النفس الألم. ولكننا كنا خائفين من عمل أي
شيء لمساعدتها. حتى أننا قررنا إخراجها من المنزل؛ لأن الدم كان يملى المكان عندما تأتي. باستثناء
اختي التي اتخذت موقفا نبيلا، أخذت القطة بين يديها وضمدت الجرح وطهرته. إلى أن
تمكنت من إيقاف النزيف. ومنذ ذلك اليوم كلما خرجت أختي من المنزل كانت القطة
ترافقها إلى منتصف الطريق وتظل تنتظر الى أن تغادر أختي تماما ثم تعود. بقيت القطة
وفية لمن مد لها يد العون.الى أن قضت نحبها.
إذا كانت هذه ردة فعل قطة صغيرة وهي لا تعقل شيء، فكيف بإنسان تعينه على
قضاء حوائجه. تخفف عنه ما يجد، سيظل ممتنا لك دائما. وسيذكر إحسانك حتى وإن نسيته
أنت. والأكثر من ذلك كن على ثقة بأن هذا الاحسان سيعود إليك مرة أخرى ليسعدك؛ فهذا
قانون ثابت، وهي سنة الله في خلقه"ما تفعله سيعود إليك إن خيرا فخير وإن شرا
فشر".
وهذا يقودني للحديث عن الموقف الآخرالذي حدث لي شخصيا، أراه ماثلا أمامي
الآن وأنا أهم بتسطيره هنا. عندما كنت في الصف الخامس الإبتدائي، وبالتحديد في آخر
دقائق من الفسحة، كنت عطشى ولكن ثلاجة الماء كانت مزدحمة. ولإني كنت أصغر من أن
أزاحم الجمع الغفير المجتمع حولها؛ فقد وقفت بعيدا أنتظر الى أن يخلو المكان. ولكن
إحدى الفتيات رأتني وأخذت بيدي لأتمكن من الشرب. من يومها وأنا أشعر بالإمتنان
لتلك الفتاة، لا أراها الا وأرى إحسانها معها.
وكم من المواقف التي تؤكد لنا أن الإحسان محال أن يُنسى أو يضيع. فالجزاء من
جنس العمل. حتى أشرس الناس طبعا وسلوكا يصبح لينا خاضعا إذا أحسنت إليه. وقد صدق
أبوالفتح البُستي حين قال: "أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الانسانَ إحسانُ".
وفي قوله تعالى : " وهل جزاء الاحسان إلا الإحسان" دليل واضح
ووعد رباني بأن ما تقدمه لغيرك لن يذهب أدراج الرياح. ولعل هذا يذكرني بتلك القصة
التي حكت أن أحد الأطفال سرق أدوية لوالدته المريضة، وعندما همت صاحبة المحل
بأخذها منه جاء رجل ودفع قيمة الأدوية. وبعد مرور السنوات أصيب الرجل بإصابة بالغة
كلفته الكثير. وبينما إبنته الوحيدة مهمومة تفكر كيف تسدد قيمة العلاج إذا بفاتورة
العلاج تأتيها وقد كتب فيها " تكاليف العلاج سددت منذ 30 سنة".تعجبت
الفتاة، وعندما سألت عن الشخص الذي دفع تكلفة العلاج؛ أخبرها الطبيب انه هو من قام بهذا، وهو نفسه الطفل
الصغير الذي سرق الأدوية منذ 30 سنة!.
لاعجب والمبدأ يقول"اسعد الناس يسعدك
رب الناس" هذا المبدأ سيضفي على حياتنا لونا آخر إذا آمنا به وجسدناه في
سلوكنا. كيف لا وربنا سيد المحسنين يحثنا على الإحسان ويعدنا بمحبته " و
أحسنوا إن الله يحب المحسنين".وماذا نريد أكثر من محبة الله؟ كم هو ثمن زهيد
ذلك الذي ندفعه مقابل هذه المحبه.
لنجرب فقط أن نضمن قائمة الأعمال التي نريد إنجازها في كل يوم عمل نحسن به
الى الآخرين، حتى وإن كان مجرد إبتسامة في وجوه من حولنا، أو بإماطة الأذى عن الطريق؛ وستذهلنا النتيجة، سيصبح
الإحسان مبدأ لا نحب حياتنا بدونه. لنحسن لكل شيء للبشر، للحيوان وللأرض التي نعيش
فيها.
كن محسنا وبجميل الأثر إحجز لنفسك مقعدا مع الأرواح الخالدة.
الجمعة، 8 نوفمبر 2013
فلسطين حكاية لم ترو بعد
عندما افتح ملف بلاد الاسراء اجد الجراح لاتزال تنزف، منذ1948م والجرح لم يلتأم بعد وكأنه وقع بالأمس ، ولكن الفارق بين الامس واليوم هو ان عمق الجرح قد زاد !.
اربعة وستون عاماً مضت ، لم تخلف في رصيدها سوى مزيد من الدمار، مزيد من القتل، والمزيد من التهجير ومزيداً من الاستيطان. ومزيدا من قطع الاراضي المسلوبة من هنا وهناك في حين ان هذا كله لم يقابل الا بالمزيد من الاتفاقيات و المزيد من المعاهدات والزيد من الجلسات. ..و و و الخ.
ولكن السؤال هنا.. بماذا خرجنا من كل ذلك؟ ولصالح من تكون النتيجة دائماً؟
لقد برر الاحتلال منذ اربعة وستون عاماً خلت موقفه بحجة تافهة وقال: لقد اتينا بعد ان وجدنا الارض فارغه.. فقد اخلى العرب لنا الارض بمحض ارادتهم !!.
وهو تبرير واهٍ . فإذا كان العربي قد نزح من ارضه فهذا لان هناك من وعده بأنه سيعود اليها يوماً بعد ان يتم طرد المحتل الغاصب خارجاً. رحل العربي تاركاً مفتاح بيته في مكانه، كأنه خرج في الصباح ليعود اليه قبل الغروب.
رحل ملتفتاً بين الحين والاخر، وهو يداري دمعه مخافة ان لا يعود، فقد رحل بعد ان جار العدو و عثي فساد في اراضيهم.. رحل خائفاً على مستقبل اسرته. لم يدري وقتها وهو يرحل ان غربته ستطول، لا لشيء سوى ان من وعده لايزال غير قادر على تنفيذ الوعد!!.
وفي ظل القضايا المعاصرة ، والاحداث الراهنة ، بدآ العالم يتناسى شيئا فشيئا القضية الفلسطينية. تلك القضية العربية الاسلامية التي تجثم فوقها ستون الف وزيادة من علامات الاستفهام والغموض ، واني ارى ان كل ما يحدث في الشرق الاوسط ما هي الا جذور ممتدة من قضية ارض القدس الحزين.
لكن ما يحدث حقيقةً على ارض الواقع اننا انشغلنا بتلك الفروع المتنامية ولم نلقي بالاً للأصل وعندما يحدث ما يذكرنا به ويحاول تنبيهنا ان مكمن الخطر فيه ننظر اليه شزراً ونبرر صمتنا بالقول : سنأتي لنقتلعك فيما بعد.. فما كان منه الا ان تضخم واتسع ، ووجدنا بعدها انفسنا حيرى وما عدنا نستطيع معرفة اين نوجه انظارنا ، هل الى اليمين ام الى اليسار ام الى الشمال ام الجنوب؟!!.
ففي الواقع لقد وجدنا المصائب في كل جانب. اصبحنا في بؤرة الخطر لا ندري بأي مصيبة نبدأ!
لقد قال الحبيب في معنى حديثه: ستتكالب عليكم الامم ،قيل امن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال : لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل!.
صدقت يا حبيبي يا رسول الله ، فأمة المليار لم تعد تدري اين الخلاص؟ ففي كل يوم يلد في صحن مآسيها وليد، ما عادت تعرف كيف تعيد ماضيها التليد؟!.
يجب ان نعود لقضيتنا الرئيسية ، لنعد الى فلسطين الابية، لنلملم شعث امتنا فلا تزال في فلسطين خبايا تحت الركام ، لا يعلم عنها احد إلا الله.
منذ أيام قليلة قتل الجعبري ليفتح ملف جديد، ملف متشبع برائحة الغضب والتهديدات من كلا الطرفين ، فحركة حماس تأبى إلا أن تكيل الكيل للغاصب وتذيقه طعم جريمته علقماً ، وإسرائيل تعد العالم بأنها ستطهر القطاع من إرهابي القسام.
والمدنيون هم الضحايا دائما .. وما على العالم الا ان يطلع الى نشرات الاخبار ليصله عدد الضحايا من الأطفال والنساء وعدد الجرحى أين وصل؟
وعليه ان يعقد الجلسات ليبحث في الامر ثم ماذا؟ ماذا بعد؟
الشارع الفلسطيني في غزة يشتعل غضباً ، يريد ان يأخذ الثأر ، فهل سيكون هذا إيذانا بعهد جديد؟ أم صفحة دموية تطوى لتنظم إلى سابقاتها من الصفحات؟
فلسطين يا قضية أمة الإسلام، لا تزال حكايتك تنتظر اليوم الذي ستروى فيه. لا يسعنا سوى ان ننظر الى الاحداث بشيء من الترقب ونأمل أن لا يطول هذا الانتظار.
فلسطين يا عشقي الأبدي، سيأتي يوم تضمدين فيه جراحك وجراح الأمة اجمع.
يوم يزحف إليك جيش صلاح الدين .. يوم تكون شعوبنا العربية والإسلامية كقبضة يد واحده.. مجتمعة تحت لواء الإسلام لا غير، جيوش تهز الأرض هزاً.
إلى أن يحين ذلك اليوم .. سنظل نعمل لنرقى بأنفسنا وبتفكيرنا ، لنكون نحن هذا الجيل الذي سيعيد المجد.
لست سوى فرد في هذه الأمة ، لا املك سوى قلمي لأعبر عن أسفي لما يحدث.. لكي أوصل فكري لكل عربي ولكل مسلم غيور على هذه الأمة..
فعندما يصلح كل منا نفسه وعندما نخطط لنصنع غد افضل ..وعندما نتبع كل هذا بالعمل الصادق .. عندها حقا سنستبشر خيراً بشباب الإسلام.
ومع احرف كلماتي أقول في النهاية .. إن غداً لناظره قريب.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



