الأربعاء، 12 مارس 2014

بين فكي الرحى




خرجت سارة من المنزل بعد أن التفتت يمنة ويسرة لتتأكد من خلو الطريق. وراحت تجري لتمسك أخاها الصغير ابن السنتين الذي زاد من سرعته وهو يرى أخته تجري خلفه. وصدى ضحكته الطفولية يتردد في أرجاء المكان.
  أمسكته سارة بتحنان كبير ورفعته إليها ضاحكة:


- لقد امسكتك أيها العصفور الصغير.  ضمته اليها مستمتعة بضحكاته العذبة.
   سارة فتاة في الثامنة عشرة. ذات جمال أخاذ. ممشوقة القوام. وأجمل ما فيها تلك اللمحة البرئية التي تغشى ملامح وجهها، يصعب على المرء أن لا يشعر بالراحة وهو يراها.ولعل النقاء الذي تجذر في داخلها، و الصفاء الريفي الذي تشربته منذ طفولتها أكسبها ذلك السمت الذي تأنس له النفس ولا تخطئه العين أبدا.  

لم تلحظ سارة تلك النظرات التي كانت تراقبها منذ أن خرجت.  كانت لا ترى سوى صغيرها الذي تخشى عليه من كل شيء.  إذ كان عادل في زيارة لصديقه الذي يسكن بجوار منزل سارة؛ قد دخل سيارته قبيل خروج سارة من منزلها، ولم يستطع منع  نفسه عن مراقبتها.  كانت نافذة سيارته مفتوحة بالقدر الذي سمح له بسماع ضحكتها المنتصرة وهي تمسك بأخيها، وسماعها وهي تعاتبه بلطف على خروجه من المنزل.وعندما ابتلع البيت سارة وأخيها الصغير أرجع ظهره للخلف وقد تنبه لشروده فأسرع يدير محرك السيارة ليغادر.

و عادل شاب أعزب في الخامسة والعشرين من عمره. فارع الطول.. قوي البنية. يعمل محاسبا في إحدى شركات العاصمة    طوال الطريق لم يجد عادل تفسيرا لاهتمامه باسترجاع صورة سارة.  الشابه القروية، التي سلبت منه تفكيره دون أن تدري.

  وعلى مدار يومين لم تبرح صورة تلك الفتاة مخيلته.لذا وبعد بعد نقاش طويل مع نفسه قرر مصارحة صديقة، ليقص عليه قصة جارته الحسناء.
وما إن أخبر صديقه سعيد حتى ضحك الأخير ممازحاً:

 - هههههه يا رجل أبهذه السرعة أحببتها ؟اطرق عادل  قليلا :  - وما المضحك في ذلك يا سعيد؟  جئت إليك ممنيا نفسي بأنك ستساعدني في التقدم إليها.  اعتدل سعيد في جلسته وقال بنبرة جادة : 

- لا عليك يا صديقي، سأخبر  أمي وهي ستسهل علينا المهمة. 

  وبالفعل أخبرت ام سعيد والدة سارة بالأمر. وبعد أيام ذهب عادل مع والديه وصديقه سعيد إلي منزل سارة.

  كان والدها رجلا في الخمسين من عمره. سمات الوقار والهدوء مرسومة على محياها.وقد  استقبلهم بكرم بالغ.بعد تلك الزيارة خرج عادل وهو يشعر بالسعادة كان لديه إحساس بأن الرد الذي سينتظره سيكون بالإيجاب.  

راحت والدته بدورها تمتدح سارة وتدعي الإله أن تكون من نصيب إبنها.في حين أن سارة لم تكن تعلم بالسر من وراء تلك الزيارة. فوالديها قررا السؤال عن الشاب قبل إخبارها. وبعد إسبوع اجتمع الوالدين بإبنتهما وفاتحها والدها بالموضوع. كانت مطرقة طوال فترة حديثه وقد تملكها الخجل.

نظر الأب لزوجته مبتسما، وقال وهو يغادر:

- سأنتظر ردك يا بنتي لكي أرد عليهم. 

بعد يومين اخبرت سارة والدتها بموافقتها.
زغردت الوالدة فرحا.. وأخبرت زوجها الذي كان مسرورا بدوره.  إلا أن هناك كان ما يشغل باله. إذ أن والده مسافر للعلاج وكان يتمنى أن يكون هنا ليسمع رأيه في الأمرأراد انتظار عودته لكن زوجته قالت له :

- لأي سبب سيرفض الجد هذه الزيجة ؟إن الشاب لا يعيبه شيء. وقد تأكدت أنت من حسن خلقه ونسبه؛ لا داع لتأخير الرد يا عزيزي.  قرر العمل بقولها خصوصا بعد أن علم أن والده سوف يتأخر في العودة اكثر.

كاد عادل يطير من الفرح وهو يستقبل الرد بالموافقة. هاهي ذي سارة ستصبح  عما قريب زوجة له.

كان عادل يتردد على بيت سارة كثيرا؛ فكل شيء هناك كان يسحره. وسارة الشابة الصغيرة  استطاعت فعلا  أن تملك قلبه بكل ما فيها.وهي أيضا بادلته المشاعر نفسها، كانت تحب سماع قصة تعرفه عليها. وهو لم يكن يمل يوما من إعادتها على مسامعها مرارا وتكرارا.


بدا الإثنان ملائمان لبعضهما كثيرا. كما أن الانسجام كان واضحا في علاقتهما. كان كل واحد منهما يعد الآخر كنز نفيس اهداه الله إليه. كيف لا وحياتهما  تلونت بلون آخر لم يعهداه من قبل.  

تقرر ان يكون العرس بعد عودة جد سارة. وتماثله للشفاء. فهو كبير العائلة ولم يجازف والد سارة بالموافقة على تقديمه.
يكفي أنه عقد قران إبنته بدون وجوده.فالجد في تلك القرية لا يزال له السلطة في كل شيء. هو الآمر الناهي. وما على البقية سوى الطاعة.  

احترم عادل تلك الرغبة  وقدر عاداتهم الخاصة.
عاد الجد بعد مرور اسبوعين على عقد قران سارة.  وكم كانت صدمته قوية عندما تلقى الخبر.  كان الجد صارما لدرجة كبيرة. وتقاسيم وجهه الحادة تجعل محدثه حذرا من محاولة تعكير مزاجه.عندما اخبره ابنه عبدالله -والد سارة - بالأمر صرخ في وجهه غاضبا:

- أكان صعبا عليك انتظار قدومي؟  أم تراك ما عدت تحترم رأيي؟.
رد عليه إبنه المطرق احتراما لوالده:

- ليس ذلك يا ابي. لكن لم يكن من اللائق تأخير ردنا عليهم. ثم إن الشاب وعائلته لا يعيبهم شيء.  

كان الجد يعرف إبنه جيدا، فهو لن يتسرع في أمر حساس كهذا. لكنه في الوقت ذاته كان مصرا بأنه اقترف إثما كبيرا بعدم سماعه لرأيه. لذا أكمل صراخه الذي بدا به وكأنه أسد ثائر:  

 -اتركني الآن لأرتاح. لا اود سماع اي شيء عن هذا.  

خرج عبدالله وقد بدا الحزن جليا في محياه. كان يتوقع حدوث هذا. لكن الوقت تأخر ولم يملك حينها سوى الدعاء بأن يهدأ والده.

كان كل ما يفكر فيه هو ابنته سارة. لم يشأ اخبارها بموقف الجد. فذلك كفيل بتعكير سعادتها التي يراها تشع من عينيها، وهل يطيق رؤية ذلك الوجه  الباسم مسلوبا من ابتسامته؟ 

 لكن الجد  استمر في عناده وتمسكه بموقفه. حتى أنه رفض فكرة رؤية عادل. فلا شيء يدعوه لذلك طالما أنهم لم ينتظروا عودته وسماع رأيه.
لم تكن قضية صعبة.  ولكن في عائلة كعائلة سارة لم يسبق لأحد أن قضى أمرا بدون علم الجد.  فطالما أنه على قيد الحياة كل الأمور تعود إليه، كالملك تماما!.

وعلى مدار ثلاثة ايام ظل الجد رافضا الحديث مع عبدالله . الذي كان يعود إلى منزله في كل  مرة كسير الخاطر.  

فوالده عد عقد قرآن حفيدته جرم كبير لن يسامحه عليه.لم يغب الأمر عن سارة طويلا. فقد لاحظت علامات التعب النفسي على وجه والدها. إضافة إلى  انها التقطت جزءا من حوار والديها ذات مره وهي ذاهبة إلى غرفتها

 أقلقها سوء الفهم الواقع بين والدها وجدها في بادئ الأمر. لكنها سرعان ما نسته.

كانت ترى أن على جدها أن يدرك أن الزمن قد تغير، وقد استبدل الناس نمطا جديدا لحياتهم. لكنها تأخذ في الحسبان أن ذلك أمر يكاد يكون مستحيل بدرجة كبيرة على رجل مسن كجدها ، وعلى أغلب سكان قريتها؛ إذ ضلوا متمسكين بعاداتهم  وتقاليدهم كونهم في قرية نائية . 

عندما  علم عادل بعودة الجد، قرر الذهاب مع والده لزيارته. ولم يكن يعلم ما يخبئ له القدر في تلك الزيارة.

كان الجد محاطا بأبنائه السبعه عندما طرق عادل الباب.  شعر والد سارة بالارتباك، لم يكن مستعد لهذا اللقاء. كان خائفا من موقف والده.  بدا الكل يصطنع الابتسامة في وجه الزائرين. غير المرحب بهما عند الجد. وعندما لمح الجد عادل علم بحدسه من يكون. لذا أعطاهم ظهره وتظاهر بالنوم

 حاول الأبناء جعل الأمر يبدو طبيعيا. شيخ مسن عاد من رحلة علاج طويلة فلا يجب ايقاظه من نومه لأي سبب كان.  

تفهم عادل ووالده ذلك غير أن الجو المكهرب، الذي مُلئ بالابتسامات المجاملة  لم يطمئن عادل.  فكر في أن صحة الجد أسوء من ما يبدو ولهذا تصنع ابناءه الابتسام امامه.

قبل ان يغادر انفرد عادل بوالد سارة وأخبره أنه يريد تعجيل موعد العرس. و طالما أن الجد عاد فلم يعد هناك يدعو للتأخير أكثر.
  بدا التوتر واضحا على والد سارة عندما سمع  برغبة صهره لكنه تمالك نفسه وأجابه بكل هدوء:

- سنرى ذلك يا عادل. وسأحاول الرد عليك في اقرب فرصة

 كان ذلك الرد غريبا بالنسبة لعادل. وما أكثر الأشياء التي أثارت استغرابه من عادات عائلة سارة.  فهو ابن المدينة و لم يكن يعلم بوجود من يتمسك بمثل تلك العادات و التقاليد

 التي اعتقد انها لم تعد حية في زمن غزا الانفتاح فيه أغلب المجتمعات!فبالنسبة لمجتمع عادل يكفي أن يتفق الزوجان على موعد العرس، ولا شأن لأحد آخر بذلك.لكنه  في آخر الأمر قرر الانتظار احتراما لرغبتهم.


وقد أخبر سارة ذات يوم صراحةً بتعجبه من بعض العادات التي يتمسكون بها. كانت هي اكثر انفتاحا. لم يكن تفكيرها ضيق الأفق. تعلم أن هناك امور بالإمكان تجاوزها، فالحياة لم تعد كالسابق. لكنها في الوقت ذاته تدرك أهمية كل تلك الأمور بالنسبة لعائلتها. بل لأغلب أهل القرية.وقد مازحته عندما رأت رغبته الملحة في التعجيل بالعرس:

- هون عليك يا عادل سأكون هنا دائما ولن أطير بعيدا.  سواء كان موعد عرسنا اليوم ام بعد شهر.  تنهد هو بدور:

- لست أدري يا سارة قلبي ليس مطمئن. لكن من يدري عل هذا التأخير لصالحنا .


 قاطع الجد ابنه عبدالله  لأيام وعندما ذهب الأخير لإخباره برغبة عادل في تقديم موعد العرس نضر إليه شزرا وقال:

-  لا يهمني هذا. افعل ما يحلو لك.


انزعج والد سارة من موقف أبيه وقرر الموافقة على رغبة عادل. راجيا أن  تقف الأمور عند هذا  الحد. داعيا في الوقت ذاته بأن يعود والده إلى رشده. فالمسألة لا تستحق كل هذا الجفاء!.وفعلا تم العرس كان الجميع سعداء. باستثناء والدي سارة ، كلاهمها محزون من موقف الجد الذي لم  يحضر وظل على  عناده القديم.  

أسفت سارة لذلك لكنها لم تطل التفكير في الأمر. وقد  عذرت جدها لصحته.

  لكن الأمور لم تكن بتلك السهولة.  فبعد مرور شهر على زواجها. وبعد محاولات شتى لإعادة الأمور إلى ناصبها  الصحيح  بين الأب والجد، وفي  مجلس جمع جميع  الأبناء.   قال والد سارة لأبيه :

- لم كل هذه القطيعة يا  أبي؟ اعترفت بخطأي منذ  زمن. ألم يأن  الوقت لننسى ما حدث؟.  يا أبتي إن ذلك..
صرخ الجد مقاطعا:

-   ننسى ماذا؟  أأنسى   بأنك ضربت بكلمتي عرض الحائط؟.  اليوم أنت .. ثم وزع نظراته  الحانقة على أبناءه واحدا واحد .. وأردف.. وغدا قد يحذوا الجميع حذوك!.إيه على تلك الأيام التي انقضت. كيف تسمح لنفسك أن تقلل من شأن والدك هكذا؟! .. ماذا سيقول الناس عني غدا عندما أصبح أقصوصة القبيلة كلها.  أي وجه لي أمام الشيوخ بعد هذااييه بكل سهوولة تريدني أن انسى! رحم الله زمانا لم نكن نجرؤ فيه على مخالفة أبائنا.  تكلم  الإبن الأكبر: 

- يا والدي العزيز أنت تعلم أن مكانتك بيننا لن تتغير. تظل فوق رؤوسنا مرفوعا مكرما.  لكن يا أبتي اغفر لأخي زلته. فلكل جواد كبوة.
 أشاح الجد بنظره بعيدا عنهم وقال :

- حتى انه لم يسألني عن رأيي في زوج ابنته؟!!  وإن كان يهمك فلتعلم بأني لم ارتح لذلك الشاب. قادم من المدينة لا نعلم عنه شيء!  وإني لأعلم منك  بأحوال أهل المدن لكنك إبن...قبل أن يكمل الجد  اقترب منه عبدالله وأمسك بيديه وقال :

- لا  تكمل يا أبي.. إني استحق كل ما تريد قوله..  لكن مهلك فأنت لم تتعرف عليه بعد. سيعجبك حقا  إن  عرفته. فهو شاب ناضج واع..
استل الجد يديه وقال معاندا:

- لا أحتاج لأن اسمع منه. يكفي أني رأيته.  ثم إنه ليس أفضل من شباب القبيلة.أطرق الجميع.. ولم يقطع ذلك الصمت المخيم إلا صوت  الجد وهو يقول: 

 - تقول لي أنسى؟! لن أنسى إلا إذا فكت العقدة.حدق الجميع في وجوه بعضهم.
- ماذا تقصد يا أبتي؟اسند الجد ظهره  في جدار الغرفة وقال :

- اطلب منه أن يطلقها.

زاغت عيون  الجميع.  بينما تقطعت كل الكلمات في حنجرة  عبدالله- لا يمكن ان تكون جادا يا أبي. ليس لي الحق...صرخ الجد مجددأ :

- بل لك  كل الحق يا هذا .. أم ليس لك الحق إلا في عقوقي؟!

  بدا الانزعاج في وجه عبدالله  وقال :

- اني حقا لا استطيع. كيف اهدم سعادتهما يا ابي؟ إن ذلك ما لا اطيقه !.انزعج الجد وقال :

- ذلك شأنك إذا.. غب  عني فما عدت أريد رؤية وجهك بعد اليوم.  أنت ابن عاق.. نعم أغرب عن وجهي.

خيم الوجوم في وجووه الجميع. حاول بقية الابناء تهدئة الوضع لكن الجد كان مصرا.

امتلئت عيني عبدالله بالدموع، يعز عليه أن يرى والده  هكذا. حدق في عيني والده فرآهما ايضا تلمعان بماء  الدمع.  فطالما كان ابنه رجلا  بارا وهو يعلم ذلك. غير ان حمية الأقدمين تسري في كيانه. فلا يرى أمامه إلا ما رآه اباءه وأجداده من قبل.
إنه لمن الكبائر أن يعامل ابن  والده بهذا الإجحاف. هكذا كان يفكر الجد البائس.

خرج عبدالله  ولحقه أخاه الأكبر وتتابع الإخوة في الخروج بعد ان انفض مجلسهم بأسوأ ما يكون.قال له أخاه الكبير حاتم:

- لم لا تطلب منه أن يطلقها يا أخي سارة لا تزال شابه صغيرة والكل يتمناها   فلا ضير في ذلك.

وأكمل آخر : 

  - نعم يا عبدالله  . ليس الأمر بتلك الصعوبة، فهما لم يقضيا وقتا طويلا مع بعضهما بعد، وهذا يسهل الأمور. لا تزال علاقتهما في بدايتها.
قال حاتم ألذي كان أقرب الإخوة من تفكير والدهم :

- اسمع يا عبدالله . لعل هذه الزيجة خاطئة منذ البداية. أنت تعلم ان عاداتنا تقتضي بأن تزوج الفتاة من أحد شباب عائلتها.

لا ادري لم كسرت هذه  القاعدة المهمة وخالفتنا من البداية؟صحيح انه ليس في العائلة شاب يصلح لأن يكون زوجا لها . لكن في القبيلة الكثيرين من هم مثل عادل وأفضل. ام بسبب كون عادل من المدينة  فضلته على شباب قبيلتنا؟
وأكمل عليه خالد :  

 - أنا أرى أن كلام والدي صحيح. فنحن لا نعلم بطباع أهل المدينة. إن سارة هنا على الأقل كانت ستعيش حياة تألفها. بدل أن تتغرب عنا هناك في حياة لم تعهدها من قبل.
وأكد عليه سليمان:

- الجميع على حق يا عبدالله،  ثم إن رضى والدي أهم من كل شيء. وأظن أن عادل و سارة لا يرضيان بحدوث هذه القطيعة. وبما انه لا يوجد حل وسط. أرى أن تقدم رضى والدنا على كل شيء.  

هكذا بدأ الإخوة يقنعون أخاهم بفكرة الطلاق.. إلا أن عزم على تنفيذها.  عاد  إلى منزله لا يحرك تفكيره سوى سلطة الأب الكبير والعائلة والقبيلة. ترك سعادة ابنته جانبا وقرر إخبار عادل بأسرع ما يمكن.


 صعقت زوجته من الخبر. لكنه راح يعب عقلها بما صب في عقله هو.  بكت الزوجه وقالت :

- لكن يا عبدالله لا أود تخيل وقع هذا الخبر على ابنتنا. إن ذلك أمر قاس
- لا تقلقي سأبحث لها عن زوج أجدر بها.فأنكست الزوجه رأسها تفكر وقد سلمت للأمر.


لم يكن الحبيبان يعلمان ما يخبئ لهما القدر. كانا يرفلان في بحور السعادة.  وفي ذلك اليوم الذي أبرم القوم امر طلاقهما كان عادل وسارة في منزلهما يستعدان للخروج في نزهه كعادتهما في عطلة كل أسبوع.  

وفي طريقهما إلى احدى الحدائق .استقبل عادل اتصالا من والد سارة يخبره بأنه يتمنى منه أن يذهب لزيارتهم لأمر مستعجل

شعرت سارة بالقلق. كانت خائفة من أن يكون شيء قد حدث لجدها.  فعادا سريعا إلي المنزل ليجهزا أمتعتهما.
وما هي إلا ساعات حتى كان الإثنان في منزل سارة. جرت سارة إلى والدتها تحتضنها رأت لمحة حزن في عينيها فقالت فزعه:

-  ماذا هنأك يا أمي؟ احدث شيء لجدي؟ 

 كادت الدمعة تسقط من عين الأم وهي تقول في سرها :

- هذا  الجد الذي تقلقين عليه سيهدم أغلى ما تملكين يا ابنتي.

دخل عادل إلى مجلس الرجال حيث اجتمع هناك بوالد سارة و أكبر أعمامها.  وبينما هم يتجاذبون أطراف الحديث. دخل والده وكان الكدر باديا عليه.

ازداد القلق لدى عادل وعلم أن ما خفي لن يكون سارا. ود لو يصرخ فيهم كفأكم تلاعبا بأعصابي افصحوا بما لديكم.
وعندما حان الوقت بدأ والد سارة الحديث وبدا في تلك اللحظة كأنه لا يخاطب الا نفسه : 

-  تعلمون جميعا أن بعض الأمور قد تخرج عن إرادتنا. ولعل أخطاء صغيرة توقعنا في مشاكل كبيرة.  فإن كان الخطأ الصغير قد تم فإن الحل الوحيد هو تلافي حدوث مشاكل أدهى وأمر.

في تلك الساعات شعر عادل بأن الفأس بات قريبا فقال بتوتر واضح :

- افصح ما لديك يا عمي، لما أجد نفسي فجأة هنا مجبرا على سماع حديث  يدور رحاه عن المشاكل؟. بالله عليك طمئني ما الذي حدث؟
 تكفل عم سارة الأكبر بالإجابة :

- كل ما في الأمر يا عادل اننا نطلب منك طلاق سارة.
وصل الخبر لعادل كالصاعقة. أهذه مزحة؟ كيف يبدوا الامر لهم بهذه السهولة!
نظر عادل نحو والده الذي كان مطرقا. لائذا بالصمت. لم تكن ملامح الجميع تنطق بشيء. كانت جامدة قاسية في وجه الشاب المرعوب.   فقال باندهاش:

 - أطلقها؟ ولماذا اطلقها يا عم؟ هل فعلتُ شيئاً مسيئاً ؟  أجاب والد سارة بحزم :

- كلا لم تفعل . لكني اخطأت خطائين فادحين عندما لم أنتظر والدي حتى يعود. وكان هذا الخبر صدمة له. ثم اخطأت مرة اخرى عندما سمحت بتنفيذ العرس.  كأن ذلك تصرف مجحف بحق والدي. فالأمر بيده.. وأنا بفعلتي أشعرته بالمهانة.  عادل أنت شاب عاقل وستتفهم ما أقول. إن والدي رجل كبير، وكلمته بيننا لا ترد. لا يمكننا افتعال مشاكل بين العائلتين. لذلك اطلب منك تسريح ابنتي.

 زاغت عينا عادل وهو في ذهول تام:

- لا لا استطيع يا عم. انت تطلب مني المستحيل.. يمكننا إرضاء الجد بطريقة اخرى.  نظر إليه والده وقال كمن يبت امرا لا رجعة فيه :

- عادل .. بني .. عليك أن تعلم أن هذه أمور عائليه لا نقاش فيها. قد يكون حالنا في المدينة مختلف كثيرا ولهذا قد يصعب عليك استيعاب القضية هنا. لكني أرجو منك أن تكون أكثر تعقلا  وتنفذ رغبة الجد. دعنا نحافظ على سلامة علاقتنا ببعضنا

ونحن لا نريد إثارة المشاكل.هنا شعر عادل بالضعف.. الكل ضده وكأنه واقع تحت مؤامرة حيكت في  الخفاء لتطبق عليه.كاد يبكي كالطفل الذي سلبت منه لعبته الثمينة بعد أن تعب في الحصول عليها. لكنه تمالك نفسه واستأذن للانصراف.

وبصوت خنقته العبرة قال :

- اريد أن أبقى لوحدي قليلا. وسأفكر في الأمر.  ثم أكمل في نفسه: سحقا وكأنهم تركوا لي فرصة لأفكر!.أجابه والد سارة :

- أتمنى لك التوفيق يا ولدي. وصدقني إني مكره على هذا. ولكن هذا هو القدر.
غادر عادل وما أن دخل سيارته حتى فجر خزان الدموع المحبوس في عينيه بعد ان فاض الكثير منه بداخله.
بعد ان انفض المجلس سألت سارة والدها عن عادل فأخبرها بأنه غادر.  بكل دهشة قالت :

- غادر؟ إلى أين؟ وكيف يغادر وهو لم يخبرني حتى؟

 تأملها والدها مليا. كان مشفقا لحالها وللخبر الذي ستتلقى .. لذا ظل صامتا وغادر.
أسرعت سارة إلى الهاتف الذي كان مهملا في زاوية الغرفة.  طلبت رقم عادل بسرعه لكنه لم يرد.. حاولت مرار وتكرارا إلى أن أغلق عادل  هاتفه  كليا.صرخت غاضبة :

- ماذا حدث برب السماء؟
لم ينم اي منهما تلك الليلة ، عادل الذي جفت مقلتيه من الدموع يحاول أن يهيئ نفسه لقادم سيغدو كئيبا. وسارة  أرقها النوم وهي تفكر في زوجها الذي تركها تحارب الظنون.

وقف عادل أمام المرآه وفي داخله نشب صراع مرير. لابد أن يتحلى بالشجاعة ويقف أمام الجميع، معلنا رفضه التام لرغبتهم ولتذهب كل تلك العادات الى الجحيم.

لكن صوتا مريعا صرخ في داخله : كيف تجرؤ على ذلك؟ ألا تعلم أن الأمر حسم منذ مدة، ليس لك الخيار.

صرخ عادل وهو في قمة تعبه وانهياره: تبا لكل شيء!.

بعد يومين من الصراع قرر عادل أن ينهي العذاب بسرعة. أدرك أنه لا خيار آخر. فقد  سدت كل السبل أمامه فجأة.

بيد ترتعش اتصل بسارة.   لم يستطع أن يغير من نبرة الحزن الصارخة  في صوته عندما كلمها .  بكت  سارة عندما سمعته وقالت تعاتبه :

- لما رحلت هكذا يعادل لقد أقلقتني. ولم ترد على اتصالاتي. اخبرني ما الذي حدث؟.  

قال بصوت يائس:

- عزيزتي ارجو أن تتحملي ما سأقول. صمت قليلا.. وتنهد بحرارة ثم قال :

أنت يا سارة طالق.

اتسعت عينيها وضغطت على سماعة الهاتف بشدة، حاولت أن تتماسك كل لا تقع من هول الصدمة.

- ماذا تقول يا عادل؟ ..ثم ماتت كل الكلمات في داخلها.  

ولأول مرة تسمع صوت بكاء حبيبها الذي ما عشق القلب يوما أحدا مثله.بكل ضعف قال لها :

- إنها رغبة جدك يا سارة. إن أهلك كلهم أرغموني على هذا. لا اود إذائك يا عزيزتي.. لكن.. لكن هذه التقاليد بائسة.. الظالمه قتلت علاقتنا.

رمت سارة الهاتف بعيدا.. وراحت تجري وهي تبكي إلى منزل جدها.
عندما دخلت رأت جدها وعمها يتناقشون في أمر ما.. بدون أي مقدمات صرخت في وجههم :

- لماذا أبعدتم عادل عني؟ ما الذي فعلناه لنستحق هذه الطعنة المميتة منكم..

وقبل أن تكمل أكثر اقترب منها  جدها الذي بدا غاضبا جدا و صفعها بقوة. صارخة في وجهها المحمر:   

- يا شقية اترفعين صوتك علينا؟.. منذ متى لصبية مثلك لسان بهذا الطول.  إنه  هو الذي أفسدك.  إبتعدتي عنا فنسيت أخلاقنا التي ربيتي عليها.  لم أكن لأسمح بهذا الزواج ابدا. وها أنت تثبتين لنا أن رأينا كان صائبا. لقد افسدتك طباع أهل المدينة.


جاء والدها وشاهدها مرتمية على الأرض تبكي.  

عندما شاهدت أباها اشتعل الغضب بداخلها مجددا. لم لم يقف بجانبها ؟ لما لا يزال يتمسك مثل جدها بتقاليد عفى عليها الزمن.  قامت من مكانها ومن بين دموعها صرخت مجددا

-  ستندمون كثيرا، ولن أسامحكم بعد هذا ابدا..

اعتزلت سارة منذ ذلك اليوم الجميع. رفضت كل محاولات والديها لإقناعها. كانت تقول في سرها وهي تبكي:  ماذا يريدون مني بعد كل هذا. أيقتلونني ويمشون في جنازتي!! . يال سهولة الأمر لديهم.
أهملت سارة صحتها. وقد عافت كل شيء.   

بدى الوهن واضحا  عليها.. استمر حالها هكذا أسبوع كامل دخلت بعدها في دوامة حمى شديدة.. كما عانت فيها من نوبات الهذيان والاكتئاب  المتكررة، و لم تخرج منها إلا فاقدة العقل.هكذا أصبحت سارة فتاة الثامنة عشرة مجنونة  لا تدرك من أمر دنياها شيء.


وكم فجع أهلها بهذا المصاب وأدركوا بعد أن سبق السيف العذل كم أجرموا في حقها.لم يطق والدها رؤيتها. وكان يتحاشى ذلك؛  فكلما رائها تعذب بسياط الضمير، ذلك  القاضي  الذي لا يرحم المذنب ابدا.ولهذا قرر  إرسالها إلى مصحة عقلية

عل ذلك يخفف عنه وطأة العذاب الداخلي الذي بات يعيش فيه.لم يكن  الذهاب إلى المصحة العقلية يعني أي شيء  لسارة. تساوت الأمور الأماكن كلها لديها.  


اما بالنسبة لعادل فقد قرر بعد سنة  من هذه الحادثة الزواج مرة أخرى. ممنيا نفسه بنسيان كل شيء يتعلق بسارة التي لم يعلم بمصيرها

لكن الأقدار لم تمهله كثيرا فلم يمض على زواجه سوى بضعة أشهر. حتى داهمه مرض شديد. أودى بحياته. لتعود روحه إلى بارئها.
 هكذا انتهت قصة عادل وسارة بعد أن طحن حبهما برحى التقاليد التي لا ترحم.


تمت.


الخميس، 26 ديسمبر 2013

إغتيال الحلم!.



 حدق المهندس المعماري ذو الخمسين عاما في أرجاء بلدته الصغيرة، تفحص تقاسيم ملامحها بدقة. كان يطل عليها من خلف النافذة الكبيرة لمكتبه. الذي يقع في الدور الخامس من مبنى الشركة التي يعمل بها.
 فجأة قفز من مكانة جريا ليمسك ورقة وقلم؛  فثمة فكرة تأججت في ذهنة. وراحت تطرق باب مخيلته بشدة، طالبةً منه السماح لها بالدخول، ومجبرةَ إياه على التفكير فيها بشكل جاد. لهذا راح يضع تصورا دقيقا لها. عله بهذا يرضيها ويرضي نفسه الطامحة للتجديد.


 أمسك بحاسوبه، ونقر على لوحة المفاتيح بكل حماس ليكتب طلبه على الشبكة العنكبوتيه، وفي ثوان ظهرت له خريطةً  جوية لبلدته. أخذ  يركز فيها ويقرب تفاصيلها أكثر وكثر.

ثم صرخ بصوت عالي وقد تلبسه الفرح : نعم هنا.. هذه هي المنطقة المناسبة.  يا إلهي إنها لفكرة رائعة. إذا نجحت في التخيطيط  الدقيق لها، وجسدتها على هذه الأوراق كما يجب،  فإنها ستغدو مشروعا  ضخما، سينمي هذه البلده، بل لعلهم يتوسعون فيه فينشأونه في أكثر من منطقة. ولما لا إنه يستحق. نعم نعم يستحق ان يوهب الحياة. 


حدق في الخريطة مرة أخرى، وأخذ يتمتم بكلمات غير مفهومة من حين لآخر، وكأنه يخاطب تلك الفكرة المجنونة التي حركت الخلايا الرمادية المبدعه في عقله.
أخرج كل الأدوات التي يحتاج إليها وقال لنفسه بعزم يستحثها على بدأ العمل: إن الأمر لا يحتمل التأجيل، نحتاج إلى تنمية كل قطر في هذه الأرض؛ فهي لم تبخل علينا يوما بشيء. لن اغادر المكتب إلا بعد ان انهي هذا العمل.

لم يعد إلا منزله في ذلك اليوم إلا بعد منتصف الليل، فقد عكف على مخططه، بعد أن وعد فكرته بأن يريها النور قريبا.


إستقبلته زوجته بقلق : ما بالك تأخرت يا زوجي العزيز؟ لقد إتصلت بك عشرات المرات.  ألا تدري كم أرعبني غيابك!؟.
رأى القلق في عينيها، كما رأى حركة شفتيها، ولكنه لم يسمع شيئا مما قالت.  كان مخمورا بنشوة الحلم حتى الثمالة. أمسك بيديها وقال: سترين شيئا رائعا ذات يوم.

أخرج الورقة التي كانت مخبئة في جيبه، وأشار إلى التصميم الهندسي الذي أبدع في رسمه. وراح يهز الورقة امامها بفخر انعكس على محياه
 أعذريني يا عزيزتي كنت منشغلا بهذه الفكرة، لم أهدأ إلا بعد أن انهيت تخطيطها بشكل دقيق.
حدقت في وجهه النابض بالفرح، ثمة بريق مختلف في عينيه المتلئلئتان، وكأن شعاع من الأمل يخرج منهما، ردت عليه بإعجاب: حقا إنه تصميم بالغ الدقة. ثم نظرت إليه بعتب وأردفت: ولكن أهو مهم لهذه الدرجة التي تجعلك أصم عن سماع الهاتف؟

ابتسم بكل ثقة وقال: لا عليك ربما لا تدركين الآن كيف أنه يستحق كل هذا. غدا عندما ترينه بأم عينيك ستأتين لتباركين لي هذا النجاح غير المسبوق.

نظرت إليه بحيرة. وبعين يغالبها النعاس همست  له بود: إني أتمنى لك التوفيق يا عزيزي، وأرجو أن أراه قريبا على أرض الواقع؛ لأشاركك  فرحتك.


في صباح اليوم التالي إنطلق الى البلدية وطرح عليهم فكرته، كان يشرح أدق تفاصيلها بكل حماس.
بعد ان أنهى حديثه ، قال له مدير البلدية بصوت رتيب :
-  سننظر في الأمر، يبدو لي أنه مشروع جيد. ولكننا لا نستطيع الرد عليك بشيء الآن.  نحتاج إلى عقد جلسة  نجتمع فيها بالخبراء والمسئولين حتى نبت في الأمر.
ثم قدم له ورقة وطلب منه تدوين بياناته ليتمكنوا من التواصل معه.

خرج من مبنى البلديه وهو يردد : مشروع جيد!، مشروع جيد!، أيها المدير لقد خانك التعبير، كان يجدر بك القول أنه مشروع ممتاز. لكن لا بأس سأنتظر ردكم بفارغ الصبر.
مر إسبوعان ولم يأتي الرد. رأته زوجته يذرع الغرفة جية وذهابا وهو يحدق في الهاتف الساكن في الزاوية من حين لآخر.أخبرته بأن الأمر قد يكون أصعب مما يظن ولابد له ان ينتظر، لذا اخذ بكلامها مصبرا نفسه. كان يمني نفسه بسماع خبر سعيد، يجدد الحماس في داخله. وكان يطيل التحديق في سماعة الهاتف، و تنتفض كل ذرة من كيانه عندما يسمع صوت رنينه، ولكنها سرعان ما تهدأ وتسكن في خنوع  يائس.


بعد طول انتظار قرر الذهاب إليهم مرة أخرى، قال في نفسه لعلهم فقدوا رقم هاتفي، من يدري كل شيء محتمل.   
لم تغب عن عينه رؤية نظرة الاستياء في وجه مدير البلدية لمجرد رؤيته، وعندما سأله عن المشروع رد عليه المدير بضيق: لم انت عجول يا رجل؟ لقد اخبرتك بأننا سندرس الأمر. إن هذه المسألة  تحتاج لخطط وإستراتيجيات دقيقة. لا شيء في هذه الحياة يحدث في يوم وليلة يا أخي.
خرج هذه المره من مبنى البلدية يجر أذيال الأسف والخيبه. كان يتوقع ردا غير هذا، او على الأقل  تمنى أسلوبا  لائقا يواسي  حلمه الذي بدأ يفتر.


ومرت الأشهر والإتصال لم ياتِ، كلما هم برفع السماعة  ليستفسر تناهت إليه عبارات المدير " نحتاج لعقد جلسه" " المسألة تحتاج لخطط وإستراتيجيات" " لا تقلق سندرس الأمر" " لا تكن عجولا" وشيئا فشيء تلاشى الحلم ، وقد يأس من إمكانية تحقيقه. 



بعد مرور السنوات كان المهندس الذي غدا مسنا يتكئ على عصاه  يمشي عائدا إلى منزله بالقرب من مبنى البلدية، وبينما هو كذلك إذا بالرياح تطاير الأوراق المكدسه أمام مبنى البلدية. إلتصقت ورقة  صفراء  بوجهه. أمسكها بيد ترتعش. إتسعت حدقتا عينيه للحظه ثم أغمضهما بألم . عبرت دمعة حارة تجاعيد وجهه لتسقط على الورقة.

أنزل يده التي كانت تمسك بمشروعه القديم بتثاقل كبير، عاتب نفسه التي سمحت له بأن يحلم بهكذا مشروع، ولم تذكره بأنه يعيش في مجتمع يغتال الإبداع والمبدعين.
تساقطت الدموع من عينية وراح يردد : رحمة الله عليك يا حلمي قتلوك في مهدك، فصبرٌ جميل.

أخرج قلم من جيبه وكتب على الورقة " تم إغتيال الحلم الأغر"، علقها في الجدار ومضى.


تمت.

السبت، 9 نوفمبر 2013

كن خالداً بإحسانك



 أن تكون محسنا يعني أن تحمل في قلبك حبا كبيرا يسع الكون بما فيه، فلا تحمل في ذلك الجزء المخبأ بين أحشائك ضغينة لمن حولك. ولا تمنعك  قومية ولا عصبية عن مد يد العون لمنيختلف عنك أو معك. تبادر دائما لأن تنشر بذور السعادة في كل من حولك.



حتى لأؤلئك الذين تفننوا في إذاقتك صنوف الألم، ينتفض الشريان المحمل بكريات الإنسانية في داخلك؛ إذا ما وجدتهم في حال أضعف منك. وفي أمس الحاجة إليك. تقاوم رغبة الشر التي قد تحاول تحريضك ضدهم وتهمس لك أن "آن أوان الانتقام "!. أوليس في سيد البشر قدوة لنا ونحن  نتحدث في هذا الصدد؟
واجه من قومه ما واجه. عُذِب وأخرج من أحب بقاع الأرض إليه، أوذي في أهله، قتل أصحابه واحدا إثر الآخر. ولكنه وهو القائد المنتصر قال لهم عبارته الحية عبر السنين " إذهبوا فأنتم الطلقاء ". هذه هي قمة الإحسان؛ تعفوا عن الخلق وأنت في أعلى درجات قوتك.
عندما تشعر بالألم يعتصر كيانك، وتسقط الدمعة تلهب خدك لرؤية البؤس يعشعش في العالم من حولك. عندما ينبض قلبك بالرحمة لكل شيء حولك، فيدفعك كل هذا لأن تبذل ما تستطيع لتغيير الواقع للأفضل؛ تجود بما لديك، تحنو بيدك لتمسح دمعة وترسم بسمة في الوجوه. عندها ثق بأنك لاتزال على قيد الحياة، وأنك لازلت إنسان فبالإحسان تعيش معاني اللإنسانية.
من المواقف العالقة بذهني، رغم تقادم الأيام عليها، موقفين لا أظن أني سأنساهما. الأول : كان لنا ذات يوم قطة صغيرة، أصيبت بجرح كبير في ظهرها، وفي كل يوم كان الجرح يزداد. كان شكلها يثير في النفس الألم. ولكننا كنا خائفين من عمل أي شيء لمساعدتها. حتى أننا قررنا إخراجها من المنزل؛  لأن الدم كان يملى المكان عندما تأتي. باستثناء اختي التي اتخذت موقفا نبيلا، أخذت القطة بين يديها وضمدت الجرح وطهرته. إلى أن تمكنت من إيقاف النزيف. ومنذ ذلك اليوم كلما خرجت أختي من المنزل كانت القطة ترافقها إلى منتصف الطريق وتظل تنتظر الى أن تغادر أختي تماما ثم تعود. بقيت القطة وفية لمن مد لها يد العون.الى أن قضت نحبها.
إذا كانت هذه ردة فعل قطة صغيرة وهي لا تعقل شيء، فكيف بإنسان تعينه على قضاء حوائجه. تخفف عنه ما يجد، سيظل ممتنا لك دائما. وسيذكر إحسانك حتى وإن نسيته أنت. والأكثر من ذلك كن على ثقة بأن هذا الاحسان سيعود إليك مرة أخرى ليسعدك؛ فهذا قانون ثابت، وهي سنة الله في خلقه"ما تفعله سيعود إليك إن خيرا فخير وإن شرا فشر".
وهذا يقودني للحديث عن الموقف الآخرالذي حدث لي شخصيا، أراه ماثلا أمامي الآن وأنا أهم بتسطيره هنا. عندما كنت في الصف الخامس الإبتدائي، وبالتحديد في آخر دقائق من الفسحة، كنت عطشى ولكن ثلاجة الماء كانت مزدحمة. ولإني كنت أصغر من أن أزاحم الجمع الغفير المجتمع حولها؛ فقد وقفت بعيدا أنتظر الى أن يخلو المكان. ولكن إحدى الفتيات رأتني وأخذت بيدي لأتمكن من الشرب. من يومها وأنا أشعر بالإمتنان لتلك الفتاة، لا أراها الا وأرى إحسانها معها.

وكم من المواقف التي تؤكد لنا أن الإحسان محال أن يُنسى أو يضيع. فالجزاء من جنس العمل. حتى أشرس الناس طبعا وسلوكا يصبح لينا خاضعا إذا أحسنت إليه. وقد صدق أبوالفتح البُستي حين قال: "أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم    فلطالما استعبد الانسانَ إحسانُ".
وفي قوله تعالى : " وهل جزاء الاحسان إلا الإحسان" دليل واضح ووعد رباني بأن ما تقدمه لغيرك لن يذهب أدراج الرياح. ولعل هذا يذكرني بتلك القصة التي حكت أن أحد الأطفال سرق أدوية لوالدته المريضة، وعندما همت صاحبة المحل بأخذها منه جاء رجل ودفع قيمة الأدوية. وبعد مرور السنوات أصيب الرجل بإصابة بالغة كلفته الكثير. وبينما إبنته الوحيدة مهمومة تفكر كيف تسدد قيمة العلاج إذا بفاتورة العلاج تأتيها وقد كتب فيها " تكاليف العلاج سددت منذ 30 سنة".تعجبت الفتاة، وعندما سألت عن الشخص الذي دفع تكلفة العلاج؛ أخبرها  الطبيب انه هو من قام بهذا، وهو نفسه الطفل الصغير الذي سرق الأدوية منذ 30 سنة!.
 لاعجب والمبدأ يقول"اسعد الناس يسعدك رب الناس" هذا المبدأ سيضفي على حياتنا لونا آخر إذا آمنا به وجسدناه في سلوكنا. كيف لا وربنا سيد المحسنين يحثنا على الإحسان ويعدنا بمحبته " و أحسنوا إن الله يحب المحسنين".وماذا نريد أكثر من محبة الله؟ كم هو ثمن زهيد ذلك الذي ندفعه مقابل هذه المحبه.  
                      
لنجرب فقط أن نضمن قائمة الأعمال التي نريد إنجازها في كل يوم عمل نحسن به الى الآخرين، حتى وإن كان مجرد إبتسامة في وجوه من حولنا، أو بإماطة الأذى عن الطريق؛ وستذهلنا النتيجة، سيصبح الإحسان مبدأ لا نحب حياتنا بدونه. لنحسن لكل شيء للبشر، للحيوان وللأرض التي نعيش فيها.
كن محسنا وبجميل الأثر إحجز لنفسك مقعدا مع الأرواح الخالدة.

الجمعة، 8 نوفمبر 2013

فلسطين حكاية لم ترو بعد






عندما افتح ملف بلاد الاسراء اجد الجراح لاتزال تنزف، منذ1948م والجرح لم يلتأم بعد وكأنه وقع بالأمس ، ولكن الفارق بين الامس واليوم هو ان عمق الجرح قد زاد !.
اربعة وستون عاماً مضت ، لم تخلف في رصيدها سوى مزيد من الدمار، مزيد من القتل، والمزيد من التهجير ومزيداً من الاستيطانومزيدا من قطع الاراضي المسلوبة من هنا وهناك في حين ان هذا كله لم يقابل الا بالمزيد من الاتفاقيات و المزيد من المعاهدات والزيد من الجلسات. ..و و و الخ.
ولكن السؤال هنا.. بماذا خرجنا من كل ذلك؟ ولصالح من تكون النتيجة دائماً؟
لقد برر الاحتلال منذ اربعة وستون عاماً خلت موقفه بحجة تافهة وقاللقد اتينا بعد ان وجدنا الارض فارغه.. فقد اخلى العرب لنا الارض بمحض ارادتهم !!.
وهو تبرير واهٍ فإذا كان العربي قد نزح من ارضه فهذا لان هناك من وعده بأنه سيعود اليها يوماً بعد ان يتم طرد المحتل الغاصب خارجاًرحل العربي تاركاً مفتاح بيته في مكانه، كأنه خرج في الصباح ليعود اليه قبل الغروب.
رحل ملتفتاً بين الحين والاخر، وهو يداري دمعه مخافة ان لا يعود، فقد رحل بعد ان جار العدو و عثي فساد في اراضيهم.. رحل خائفاً على مستقبل اسرتهلم يدري وقتها وهو يرحل ان غربته ستطول، لا لشيء سوى ان من وعده لايزال غير قادر على تنفيذ الوعد!!.
وفي ظل القضايا المعاصرة ، والاحداث الراهنة ، بدآ العالم يتناسى شيئا فشيئا القضية الفلسطينيةتلك القضية العربية الاسلامية التي تجثم فوقها ستون الف وزيادة من علامات الاستفهام والغموض ، واني ارى ان كل ما يحدث في الشرق الاوسط ما هي الا جذور ممتدة من قضية ارض القدس الحزين.
فإذا تمكنا من استئصال موقع التقاء هذه الجذور السوداء سهل علينا بعدها التخلص منها جميعا.
لكن ما يحدث حقيقةً على ارض الواقع اننا انشغلنا بتلك الفروع المتنامية ولم نلقي بالاً للأصل وعندما يحدث ما يذكرنا به ويحاول تنبيهنا ان مكمن الخطر فيه ننظر اليه شزراً ونبرر صمتنا بالقول سنأتي لنقتلعك فيما بعد.. فما كان منه الا ان تضخم واتسع ، ووجدنا بعدها انفسنا حيرى وما عدنا نستطيع معرفة اين نوجه انظارنا ، هل الى اليمين ام الى اليسار ام الى الشمال ام الجنوب؟!!.
ففي الواقع لقد وجدنا المصائب في كل جانباصبحنا في بؤرة الخطر لا ندري بأي مصيبة نبدأ!
لقد قال الحبيب في معنى حديثهستتكالب عليكم الامم ،قيل امن قلة نحن يومئذٍ يا رسول الله؟ قال لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل!.
صدقت يا حبيبي يا رسول الله ، فأمة المليار لم تعد تدري اين الخلاص؟ ففي كل يوم يلد في صحن مآسيها وليد، ما عادت تعرف كيف تعيد ماضيها التليد؟!.
يجب ان نعود لقضيتنا الرئيسية ، لنعد الى فلسطين الابية، لنلملم شعث امتنا فلا تزال في فلسطين خبايا تحت الركام ، لا يعلم عنها احد إلا الله.
منذ أيام قليلة قتل الجعبري ليفتح ملف جديد، ملف متشبع برائحة الغضب والتهديدات من كلا الطرفين ، فحركة حماس تأبى إلا  أن تكيل الكيل للغاصب وتذيقه طعم جريمته علقماً ، وإسرائيل تعد العالم بأنها ستطهر القطاع من إرهابي القسام.
والمدنيون هم الضحايا دائما .. وما على العالم الا ان يطلع الى نشرات الاخبار ليصله عدد الضحايا من الأطفال والنساء وعدد الجرحى أين وصل؟
وعليه ان يعقد الجلسات ليبحث في الامر ثم ماذا؟ ماذا بعد؟
الشارع الفلسطيني في غزة يشتعل غضباً ، يريد ان يأخذ الثأر ، فهل سيكون هذا إيذانا بعهد جديد؟ أم صفحة دموية تطوى لتنظم إلى سابقاتها من الصفحات؟
فلسطين يا قضية أمة  الإسلام، لا تزال حكايتك تنتظر اليوم الذي ستروى فيهلا يسعنا سوى ان ننظر الى الاحداث بشيء من الترقب ونأمل أن لا يطول هذا الانتظار.
فلسطين يا عشقي الأبدي، سيأتي يوم تضمدين فيه جراحك وجراح الأمة اجمع.
يوم يزحف إليك جيش صلاح الدين .. يوم تكون شعوبنا العربية والإسلامية كقبضة يد واحده.. مجتمعة تحت لواء الإسلام لا غير، جيوش تهز الأرض هزاً.
إلى أن يحين ذلك اليوم .. سنظل نعمل لنرقى بأنفسنا وبتفكيرنا ، لنكون نحن هذا الجيل الذي سيعيد المجد.
لست سوى فرد في هذه الأمة ، لا املك سوى قلمي لأعبر عن أسفي لما يحدث.. لكي أوصل فكري لكل عربي ولكل مسلم غيور على هذه الأمة..
فعندما يصلح كل منا نفسه وعندما نخطط لنصنع غد افضل ..وعندما نتبع كل هذا بالعمل الصادق .. عندها حقا سنستبشر خيراً بشباب الإسلام.
ومع احرف كلماتي أقول في النهاية .. إن غداً لناظره قريب.